الأحد، 20 مايو 2018

رواية (الثقب الروحي) للكاتب (مالك مجباس)


من وراءِ عمقِ الماءِ يأتي صوتُ هيد واضحًا: «البَحْرُ يشبه العدم العظيم، هو وحده الذي ينجينا، هو وحده الذي يغسل قذاراتنا، هو وحده الذي ينقذنا كمثلِ النارِ التي تطهرنا يا منقذ». تلته أصواتٌ كثيرةٌ تنشد "تعويذة الخلاص" ومعها أنشد المجنون وزينب "ترنيمة المياه":
[يا أيها النهر... يا أيها النهر
يا خالق الأشياءِ كُلّها!
في أعماقِك سيبني المنقذ مسكنه،
المنقذ قادم إليك،
فأنت تقضي بقضيةِ البشر،
أنت أيها النهر العظيم، مياهك تجلب الخلاص، فتلقّه برأفة،
وخذ ما بجسده إلى ضفتيك، واجعله يهبط إلى أعماقك].
هكذا ستبدأ حياةٌ جديدة، من المياه، من جذوةِ التراب والرماد، من بقايا الجسد المحترق وكلماته المطفأة، ومن الأملِ الكامن، ستنشأ حياةٌ في عالمٍ آخر، حياة بإمكاننا تخيلها أو تنفسها كما نريد وكما نشاء بعيدًا عن "المعتقل الشامل" ها هنا.

***
الرواية تشتمل على ثلاثة عوالم تدور على مدى (41) فصلاً، و (448) صفحة، يمكن اعتبارها عوالم ما قبل الحياة -الحياة-وما بعدها، لكنها تعاش بصورة متوازية في ذات الزمن.
تثير أسئلة جادة حول إشكاليات جدلية؛ عن الإنسان، الوطن، الهوية، الدين، المقدس، الجنس، السياسة، والعلاقات التي تنصهر بينها، تحاول نفخ الغبار عن خبايا يراد لها أن تبقى مخفية أو مستورة من أجل كسب المصالح أو للعيش بوضع تعود عليه البشري حتى أدمنه وصار جزء لا يتجزأ من ذاكرته المستحمرة بالتابوهات والطواطم المقدسة!

الخميس، 15 يونيو 2017


انا جلجامش يصحبني قلبي المتأنسن
نبحرُ لغاباتِ الأرز اللبنانية 
لقتلِ الوحش خمبابا 
ولقاءِ العذراء الجميلة ...
في رحلةِ طريق الانسان وطريق العودة

من اجل ان يكون الدربُ طويلاً 
من اجلِ عيونِ المدينة 
كي لا تفقأ برخصٍ 
من أجل الحوريات 
الناعسات 
في حافةِ الدرب 
من اجل مجنونة شايو 

سفري في الليلة البارحة 
رحلتي قبل الخليقةِ 
لابد ان تكون ليستْ قصيرة 
ان يستمر السفر 
مادام عمري أخضراً 
مادمتُ أحيا بالمغامراتِ والتجارب 
ما زلتُ ارحلُ الى هنا 
هنا ...
بالقربِ كانتْ صخورٌ 
فهنا مرقدي .. هنا مرقدي الجليل 
هنا تبكي حروفي على بعضها 
وتشتاقُ شفاهي لشفاهكِ
سيدتي 
هنا أنادي الألم 
يا أيها الألم ... يا أيها الألم 
تباً لحضرتِكِ السادية 
شلتْ يداكَ من مُحفّزٍ خائن 
أقولُها بِإستثناءٍ 
إلاّ اوجاعي فيكِ 
فهي معنى لحريتي .. 
فلا عشقُ من دونِ لذة الألم
معكِ
وهكذا جوعي إليكِ 
ارغبُ ان تنثري شعرَكِ حولي 
ان تمزقيني .. تقسميني 
ترميني 
الى العالمينَ قرباناً 
ولو لوهلةٍ اخيرة 
فانا صاعدٌ نحو روحي 
تاركٌ حربَ العصابات التي لم تنته بعد 
لا زالتْ تذكرني بالحرب الأهلية 
- مَنْ يا ترى انتصرَ ؟! 
- لم أعد أتذكر ذلك 
لكن 
بهذا العدد الهائل من القتلى والمذبوحين 
في بلادِ الأغنام الخائبة 
لا أشكُ ان الأغنام لا تنتصر 

آهٌ يا قلقي .. آه 
لما تبحثُ 
فهي ذهبتْ في سماءِ الممر القصير 
فإصحُ 
يا أيهذا العاشق الجميل 
ايُّ موقفٍ يعلل لها الان 
ايُّ ماءٍ يطهرُ خطيئتها 
ايُّ معرفةٍ تدفعُ لحد الحكمِ الأخير 
وها هي الوردةُ تذبلُ 
وخطيئة الشيطان كانتْ افضل 
فلا تنوحي 
لا تبللي مناديل عيونكِ 
لا تنوحي يا أشجار الغابات 
لا تحزني لدربي المحفوف 
انا في محنةِ التقادم 
مذ وطأتْ قدمايّ أرضاً 
مذ كنتُ قتيلاً بين الضباب 
اتخذتُ قرارَ موتي الجليل 
فلم أعد انا منْ يستفيق للمرةِ الثانية 
وهيهات من درب الرحيل
كَمَنْ يعقدُ لسانهُ عن قولها 
يا مستفيق .. يا مستفيق 
مزقْ .. اليكَ حرائري 
لا تندثرْ 
قُلْ ايّ شيءٍ 
عن محنةِ البقاء 
عن متلازمةِ الرحيل 
شيءٌ عن لا شيء 
الا طريق البكاء 
لا تتفلسفْ بكوتِهِ 
فانا اعبرُ نهراً من هواء 
أرسمُ لوحاتي بالطرقاتِ المهجورة 
ألونُ مدمنيّ الكوكائين 
اصبغُ وجوههم 
بدخانِ بقايا البرشام
لا اجابة لأيّ سؤال 
بحرٌ يتلاطم بداخلي 
ولا عصا تفرقُ شفتيه 
تحتضنُ أجزائهُ بعضها البعض 
- أعطني قبلاتكَ سريعاً 
الموجةُ قالتْ للموج 
وبهذا لابد ان اكونَ غريقاً 
وقلبي يكوى بنارِ الخديعة 
وروحي تلتهمها اجنحة الليل السوداء 
لم يعد لديّ معبدٌ مقدس 
اخضوضرتْ بحيرة الذاكرة 
تعكرتْ شرايينها بالأنقاض المذبوحة 
لا سقا لماءٍ عذب 
ومرارة الخراب كلهفةِ الانسلاخ 
كنسرٍ من الثلج يُعدَّم قبيلَ العاصفة 
آهٌ .. يا روحاً .. آهٌ يا روحي 
كيفَ لي ان اجدَ العزاء لقلبي 
وانا عكسُ كُلّ الأجراس 
لا اصمتُ 
انا ديكٌ لا يصمت 
ينادي في جوف الليل المطبق 
انا آلهٌ لا يصمت 
ينادي في جوف الليل الأخرس 
يرفعُ عقيرتهُ 
يصرخُ .. يصرخُ 
حيثُ زمن ..الصراخُ ممنوع
حيثُ زمن .. الآنينُ جريمة 
لكنه يصرخُ ... يصرخ ... 
يحطمُ تشاكه الانفعال 
كلوحةِ الوانٍ مغروسة 
كشبقٍ لا يكتمل 
يتذوقُ طعمَ الهزيمة 
يمررُ عيونه فوق عيونه 
ويمسكُ الساعاتِ من أطرافها 
فعقارب الساعة لا تلدغُ 
آلهُ ساعتها 
انا.. 
آلهٌ يفترسُ الأيام 
ابتسمُ او اضحكُ 
اتقهقرُ كالقمرِ 
لكني أقوى من ايّ حال 
انا الانسانُ .. وأبقى هكذا انساناً 
تتكالبُ سنواتُ التيهِ
كخواطرِ الموتى عند المغسلِ الأخير 
لم يكن هنالك من شيءٍ 
اكثر من الفوضى 
وخلفها خطرٌ ومحاذير 
عندما اجددُ عزيمةَ الخليقةِ 
الكاوس تلدُ الارضَ كجايا وأمٍ 
والبحرُ الوديعُ ككبشٍ يُزَّفُ من السماء 
السماء .. البحرُ .. إيروس 
لم تعطهم الارضُ اكثر من بطاقةِ المرور 
وأحلامي مازالتْ مُنتزعَة 
والايامُ ترفةٌ كعمامةِ المصلى 
والنجمةُ الباردةُ تغسل شاطئ الشرف المغسول 
يا لموقفها الحزين ؟ 
عندما تجامعتْ الارضُ مع السماء 
عندما أنساب أورانوس في كُلّ خبايا جايا 
عانقَ النسيان الدمَ الطري 
وأفكاري تساقطتْ 
فراشاتٌ ترتوي بالصداع 

يا لموقفها المسكين ؟ 
عندما تلدُ جايا ذلك الصغير كرونوس 
لم يبقَ غير الفقراء في باحةِ السورِ المكسورة 
كم هو كئيبٌ ذلكَ الموقف ؟ 
ريا احتضنتْ أخاها الصغير كرونوس 
لتأخذ من مصلِهِ الذكري ديمومةِ رحمها الزهري 
ريا تجامعتْ معه 
ولونتْ عيونها بالوانِ الشجيرات 
لتلد كبيرَ الآلهة .. زيوس الخطير 
في الغابةِ المحترقة 
ثم تمزقُ شرائط الاحتفال 
وتودعُ المواقف 
وتبحرُ نحو الشمال 
متسكعةً 
لا تفهم إلاّ قليلاً 
وفي الليلةِ البيضاءِ 
تبحثُ 
تخلقُ نفسها .. تصومُ 
كما أنا تماماً 
هل هو قدرُ الأيام ؟ 
ان أصومَ بلا سماء 
ان ابحثَ عن " شغلٍ " 
عن نومٍ .. عن مشربٍ ليلكي 
عن صباحٍ لِاستيقظ فيه 
عن أدغالٍ منبسطةٍ 
عن حوريةٍ شقراء امضي باتجاهها 
واغطسُ في لجةِ الأغصانِ المبتلة 
واطلقُ هزيمةَ الموتِ الاخيرة 
واخلقُ من نفسي انساناً 
في غابةِ الخريف الخاوية 
واحرقُ الأوراق الصيفية 
كهامشِ عنوانٍ ندي 
وأطفئ صرختي كسيجارةٍ مخنوقة 

ذات يوم .. 
سيكونُ قلبي بلا شكٍ 
لا يكوى بنارِ الخديعة 
وكلّ شيءٍ يمرُ بعيداً عني 
السكوتُ .. الاستماعُ لشيءٍ .. المرور 
لا شيء ... لا شيء 
فقط أنا مَنْ يرمي الحجارة 
ويحركُ البركةَ الساكنة 
فتباً للأوغادِ وبواعث الحظوظ المكتوبة 
لا جدوى من الفصل المرمي 
والأسفلت المخربش كذاكرة اليوم 
لا شيء .. لا شيء 
إلاّ انا 
آلهٌ يهذي 
فلا تسمع هذيان الآلهة الثقال 
إلاّ هذياني الرتيب 
ولا تسمح لحروفِ القصصِ 
ان تنفذَ 
إلاّ قصة سفري للخلود
فهنا الحياة تتشبث بمعصمي 
النجوم تموتُ هنا 
وهنا تبكي حروفي 
والأفراح العابرة تلتهما الحكمة الجارحة 
في بادئ الحكمة أقيمُ أعيادَ الميلادِ لروحي 
وأدعو لها بالنزواتِ الصغيرة 
فثمة ارواحٌ في روحي 
لكنها لا تشبهُ روحي 
ثمة أفعال تخدشُ حياء الورق الأبيض 
أفعالٌ متعديةٌ ولازمةٌ 
افعالٌ بلا فاعل 
أفعال بلا مفاعيل 
تُسمع كرقيعِ الصوت 
ثمة كؤوس بلا حانات 
تُشرب بنزوةٍ عادية 
يُرتوى منها برخصٍ باهض 
لكن الخمرةَ الاخيرة لا تُختبر 
ولا تعبَقُ الا في فمي 
ولا تصلُ النساء لِشَبَقٍ
إلاّ من خلالِ خنجري الصغير 

كنتُ ثملاً جداً 
ثملاً حد العُتمةِ .. حد الثمالةِ 
لم أكن متوقع مجيء أنكيدو
او انه سيتحدى مبارزتي 
كنتُ ثملاً جداً 
رغم ثمالتي 
اقعيتهُ أرضاً 
رميتُ بسيفهِ 
وقلبي لا زال يعشق 
لا زال يهوى النساء الشقراوات 
كآلهٍ طائش 

- إرفعْ رايةَ الاستسلامِ البيضاء يا أنكيدو
- لن افعلها وانتَ تعرفُ ذلك 
لن يفعلها أنكيدو .. 
انه فارس .. والاورك تشهد 
فهو قلبي لن يسجد 
فهو قلبي لن يخضع 
ما زال يعشقُها 
كلهفةِ شوقي لِعينيها الناعستين 
كإصراري لرؤيتها 
في طريقي اليها 
كنتُ ارسمها دائماً 
خلفَ جبلِ لبنان .. بين غاباتِ الأرز 
خلفَ أسوارِ خمبابا الغليظة 
في كوخٍ خشبي 
تعيشُ جوهرةُ الحياةِ 
ياقوتةٌ حمراء .. 
صوفيةٌ روحية ... 
جسدُها مليئ بالانوثةِ الفياضة 
غنجُها اللبنانيّ يشبهُ ثمالتي 
ينطفئ الدخانُ حولها 
يلتقفُ الكونُ بين ثدييها الناعمين 
خصرُها كشمسٍ لكواكبِ أنفاسي 
وقلبي يعشقها 
في هذا الحال
لم يكن سهلا ان نفكرَ .. 
نخططَ .. نراجعَ ... 
لكن 
قررنا انا وقلبي 
ان نبحرَ بقدمينا الحافيتين 
ان نقتلَ خمبابا 
ونأتي بمليكةَ قلبي 
لترتقي عرشَها الأزلي .. 


الأربعاء، 14 يونيو 2017



   في مرات يجد نفسه مفكراً بوصفه إنساناً، يحمل هماً إنسانياً، يتوجب عليه أن يفني حياته وليس تفكيره فقط في سبيل الهدف العظيم لرقي البشرية وتطورها، يغازل الأدبيات التي نشأ وتربى عليها، فلسفة الأخلاق، الشرانق الدينية ومواعظها المعنوية، الزهد والتصوف، البحث عن العالم الآخر، والعيش لأجل العالم الآخر.

السبت، 7 مايو 2016

- ستصلُ الى هناك .. لا تستعجل الامرَ .. ستصل .. ، لكن عليك ان تواصل .. أستمرْ .. فليس هنالك عود أبدي .. هي حياتك افعل ما شئت ..
أكتب ما علمتُك إياه .. واصلْ رقصَك ..
أيها العمر ... لكم بامكانكَ ان تحيا حيواتِكَ .. ان تداري ثوباً على شكٍ عقيم .؟!..
بروتاغوراس يا صديقي ان الايام لا تكفي ، فالموضوع غامض والبحثُ تكتنفه المصاعب ..
امونادولوجيا حين روحي تصطحب بياضها  .. او حين هي تأتي ..
- انتِ أخيراً تأتين .. عيناكِ سوداوان ..

ليس الامرُ بهذا العبث والتخبط .. فاللانظام هو ما يخرج عن دائرة قيودك .. والحرية شيء من اللانظام .. شيء من طريق النهاية .. بداية الهاوية !!.  فوصولك الى نقطة الانطلاق يعني كسر لحجر متنفذ .. وحملك لجمرة النور يعني إلغاء لرمز مقدس غبي ..
اي باختصار ، انها المواجهة مع الآلهة العظام !....
الشيطان متمرد ، لانه خرج عن سلطة الله ( اصبح يملك وعي ذاتي وبامكانه الاختيار )..
بروميثوس لابد ان يهلك ويُعزل ، لانه خطر دائم .. لابد من إنهائهِ ابدياً .. لابد من إطفاء النور .. والاختباء وراء صندوق ميدوزا ، لانتظار الفرصة المؤاتية ، والتبول فوق جمرة الوعي ، وصنع عجينة من رمادها ، لتكون لبنة طين جيدة ، نلقهمها بفم المتمردين ..!!..
جميعم ( جميع الآلهة ) اجتمعوا في تلك الليلة السوداء المدلهمة .. ليلة ما قبل الصفر بمدينتين من سنة الخروج الذي لا عودة بعده .. قرروا المؤامرة ( الشعب ايضاً يتآمر على كرسي الرب ، الشعب ايضاً تغتصبه عمامة الرب المخصية .. فهل بإمكان الشعب ان يولج عضوه الصغير بمؤخرة السلطة ، التي نكحته طويلاً ؟!..)..  
همسوا بالعذاب الدائم ، الأسر ، السجن ، الوحدة ، القيود ( الاضطراب الوجودي ).. سنجعلهم مسوّخ ....
كتبوا في لائحةِ عقوقِ الانسان :
- شعبٌ يحبُ المؤامرة " مو بيده " .. فتوجب إتخاذ الآتي :
كل الطرقات مسدودة بوجوهكم .. أنكم عبيدٌ .. عبيد لذواتكم .. عاجزون ( ليس هنالك انسان مطلق ).. أنكم حقراء ساقطون .. سنركلكم على مؤخراتكم بعد الاستمناء عليكم ، بينما نغرق بأحلامنا الجنسية مع حوريات الجنة الموعودة ... نعبي كؤوس الخمر السماوية ( انهار الخمر ) ثم نتبول عليكم ، ستظنونه مطراً مدراراً ، فتشكرون وتحمدون وتهللون  ... سنتبرز على جباهكم ، سئمنا سجودكم الطويل تحت اقدامنا الملوثة بدمائكم النتنة (  ولا حاجة للحديث عن البراز المقدس مرة اخرى ، فالبراز قيمة ثابتة وأصيلة في وجودالبشري .. انه ( البراز ) كائن معنوي اكثر منه مادي .. والأكثر من ذلك انه لا يُذْكَر لعظمته وجلال وجوده الرمزي .. )..
فاشكرونا أيها البهائم الأشقياء .. تذكروا فضلنا عليكم .. لا تنسوا اننا اجنحتكم الوارفة التي تختبئون تحتها .. قدسوا سرنا الجليل .. خذوا قطعة قماش من قميص الفقيد المغدور ظلماً ، شدوها على مؤخراتكم ، وهزوا تلال شحمكم العفن في أحضاننا .....
............................... ، فواصلوا رقصَكم يا اغنام الرَّبّ .. أرقصوا ..

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

 عن الرمز والمقدس :
....................
-غالباً ما كنتُ أعللُ حالة الركود في بحيرة الموقف ، لتداعي الشك واحتضاره وموته الوشيك وربما اخيراً توديعه ودفنه ، لانتفاء ضرورة وجودة !!.. بمعنى اخر انتفاء شرط الإمكانية والواقعة وضرورتهما .. ففي أزمتنا ، المتأتية من جذور ، اتفق الجميع على إلاّ يفرطوا في سجودهم الطويل امام قامةِ رموزها ، الذين رُسموا باطلالات هوليودية - سماوية مهيبة .. ليس بإمكانك ( اذا قررت الوصول الى الكوجيتو ) إلا ان تكوى بنار التابوات والطواطم ، ونار ازمتِك الذاتية ..
فكلمات هؤلاء المتسلطين ، تعيش في العقول والكتب لألاف السنوات ، وتعاد بشكل مكرور ، وتتوالد دون انقطاع ، مشفوعة ببحار لا تنفد من الارصدة والادلة الجاهزة ، المطلية جيداً بجدل اجتماعي يتوالد دورياً بالشاكلة والصورة عينها ( اي القبول المسبق لكل ما سيصدر او انه صدر ).. والنتيجة التسلط والتبعية والقهر والظلم والحجب والمصادرة ، بوصف الناس قاصرين وجاهلين ، لا يقدرون على إدارة حياتهم ، يحتاجون الى ذلك الرباني الذي يزرع الوعي في العقول وينفث النيران في الظلمات العفنة ، ويحيي رسالة الكون السامية !!..
فهنالك رموز مقدسة مازالتْ تمثل بالنسبة الى الأغلبية وليس الكثير فقط ، الوعي والضمير والعقل والاستنارة والمعنى والقيمة .. نعم انهم أوصياء ( أوصياء الرب أو أوصياء الطوطم العظيم ) ، يمارسون هيمنتهم ، بوصفهم الأنبياء والرسل أو الأبطال المنقذين .. انهم النخبة المقدسة والصفوة المختارة .. انهم أبناء الله بعمائمهم وسيماهم وجمالهم الرباني !!..
الرمز المقدس لازال يشكل العائق الأساس في وجه الحرية .. واقولها بصراحة : لا حرية وتنوير فكري ولا جدارة شخصية واستقلالية ، مادام المقدس يبعث كل يوم اكثر حدة واحمرار من سابقه ، بشكل عنيف وقاتل للأفكار والانسان .. لأنه فوق البشري والممارسات الدنيوية - الطفولية البشرية .. انه يعتلي الى الالوهية والتجريد والإبحار فوق القيم والمعاني والمقولات .. وبالتالي اصبحت الأفكار المقدسة ، ذات بعد ما ورائي - غيبي - متعالٍ .. قوالب يحيطها سُوَر سليمان ليحرسها .. مثالية تامة ونماذج كاملة ..
في جانب اخر ، هنالك اصحاب الدين الجديد - المؤدلجون - ( الذين يمارسون التقديس باسم الانسان وأصالته والإنسانية ) ، وهؤلاء ايضاً ، لهم طواطمهم ومقدساتهم ، وهم لا يختلفون عن مجمع الحمير الديني ( الذي يمارسون التقديس باسم الله والسماء والخير ومحاربة الشيطان ).. كلاهما سيقتلك وينهي حياتك بتشفٍ اذا حاولت الوصول الى الكوجيتو ...
- في مقابل ذلك ، ماذا نفعل نحن " المگاريد " الذين لا ننتمي ولا نتبع ؟..
- ننتحر ، لنترك الحياة ونرتاح ...
- ................ " ماذا أقولُ لطفلةٍ تلعب ؟!.. "
- الحل : الثورة على عقلية الوصاية .. الامر ليس صعباً ابدأ بنفسك .. تحرر .. شك .. أقرأ .. لا تتبع طوطم خرب .. لا تدع احدهم مهما كان مقدساً ان يكون الله عليك .. لا تعبد الأفكار والمثالات .. أخلق ذاتك .. أنتَ المسؤول عن نفسك وما يُحيطك
. .. .
( يتبع ... ) ..
Malek

الأحد، 13 سبتمبر 2015

في برزخ العودة ، في مسلك لا سبيل فيه للنفوذ .. اما ، او .. هناك من يختار الوقف بعيداً او الاستماع لشاكيرا ، او الاستمتاع بلحظة التزلج على الوحل الذي صار يغطي الأشلاء المتطايرة او المنثورة او المدفونة ، وهنالك من يختار الهروب .. اما انا " ...." فأني اختار الله واختار ....... 
الهروب ليس كالعودة ، والعودة الى الذات ليس كأي عودةٍ ، انها طريق الانسان " الانسان " .. اما الهروب فليس كهروب " هارب من الأصحاب ، هارب من الأحباب ، من كل مدينة ..." ... لا ، بل هو الهروب من المسؤولية ، الذي قد يتخذ صيغاً أخرى متعددة منها الأحكام العمومية والسريعة التي تلقي المسؤولية على مفاهيم عامة كالعقل والوعي والتخلف والتدين ... إلخ، حتى تعفي نفسها من مهمة التأمل والدرس والتمحيص والتدقيق وحتى الثورة .. فكم أشاهد من يروجون للأحكام الجاهزة ، ويرددون العبارات المعتادة ، التي تحمل اليأس والموت لا غير .. وهذه المواقف من الأمور الرائجة عندما تصاب أمة أو جماعة بصدمة كبيرة تفقدها ثقتها بنفسها فتصبح على استعداد لرؤية كل العيوب في تاريخها ورؤية كل المحاسن في تاريخ غيرها ، فهي تكتسب نمطاً من ثقافة التقليد ، والتغرب اللاواعي ،التي تؤهلها للغوص بالمشاكل السالفة من جانب ، وفقدان هويتها الثقافية من جانب اخر ، .. اما وضع المشرط على هذا المفصل فهو بمثابة فتح باب واسع يدخل من خلاله الغث وأخيه .. إذن ما الحل ؟؟! ... 
هناك من يروج لدفن الموروث ، وهناك من يروج للمورث ، لكن من يختار طريق الانسان عليه الاستمرار ، عليه ان يكشف ما تم إخفائه ودثره وطمره عن أعين " الناس " .. وفي هذا كله لا اريد الادعاء اني املك الجرأة الكاملة للبوح علناً بِكُلِّ ما اريد قوله ، لآني عندما اصلُ الى تلك النقطة سأكوى بنار الحقيقة التي غالباً ما تُختم مقابلتها بالهروب ثم نار الفتنة التي تحل من هناك ، ثم نار ازمتي الذاتية التي تعتريني شخصياً ، وهذه الاخيرة ان لم تظهر كثيرا فاني لا أستطيع نفيها بأيِّ حالٍ ، اما هذا البوّح النسبي فانه لحظات جنون تنطق بها مرارةِ الموقف ، وأزمة اللحظة ، لان السكوت بما هو مريح يحمل في داخله نار تستعر ، نار تأخذ من الأزمة وقود مستمر .. ومن مظاهر هذه الأزمة أن الكلام الدائم عن التقدم والتحرر والتمدن والتنمية قد اختفى ليحل محله وصف لا ينتهي للتخلف وآلياته، وللسقوط والإخفاق وتبعاته ، وبحث اسباب السقوط وأسباب الأسباب وبنات الأسباب وأمهاتها .. وايضاً من جانب اخر ، ارتبط هذا الحديث بميل عارم إلى المراجعة والنقد الذاتي، والى اعادة النظر بالمفاهيم والنظم والعقائديات التي سادت في الحقبة الماضية ، وضمن هذا الباب ينطوي تساؤل ؛ " ما الثورة الدينية ؟! " ... فتقويم الاطار النظري العام وفحص المسائل بدقة واعادة تحليل الواقع وفهمه فهمًا جديدًا هي من الشروط الاولية لتصحيح المسار، وجعل الممارسة الاجتماعية ممكنة بعد تردد وذبذبة ، والنشاط والمبادرة الانسانية مقبولة بعد توقف وتوجس وتقهقر ، لكن كيف ؟؟! .... كل ذلك يدعونا ان نبدأ النقاش الحر ، نعم انه النقاش الحر .. وانا بصراحة لا أحبذ النقاش وفق نظريات النقد الحديثة كالبنيوية, السيميولوجية، التشريحية, مع تطبيق لهذه النظريات في قراءة النص قراءة تستند إلى الشفرات الدلالية وتفكيك وحدات النص وتشريحها ثم إعادة تركيبها ، بل بدلاً من ذلك اترك الحرية لبنات أفكاري ان تخترق حاجز الزمن لتعبر عن مكنوناتها وأهدافها الثائرة التي تُريد لها دائماً ان تصل ولو بنسبةٍ مقنعة .. لان ما اسطره جزء مني لا ينفصل ، يعبر عن ماهيتي ، عن مسؤوليتي ....
اما وجودي الذي لم يكن منفرد عن تكوين جوهر يعبق على مقاسات روحي ذاتها ، فانه لم يترك المجال طويلاً الا ليحشر نفسه بين أمل العودة ولذة البقاء ، ورسم متلازمة التعدد والتنوع في محيط الأشياء ، اما عمق الإقرار بالحقيقة - الذي لم يُترك ايضاً - فانه يبين في الفينةِ والفينةِ ان تنوع الأشياء في هذا العالم وتعددها ليس الا مظهراً خداعاً يخفي الواقع الموحد الذي يكمن في قرار الأشياء ، وان الكامن هو واقع النفس ، الذي يتجلى بصورٍ شتى .. لذا عندما استطرد بعيداً بحالة قريبة الى التصوف ، الى الجنون ، لا اقدر ان انفي ان كل العناصر خاوية من الواقع المطلق فكل وجود معتمد على غيره وكل موجود هو نسبي ، وحتى طريق التكامل يبقى نسبياً لأنك تبحث عن التماهي المطلق مع ذلك الواحد المطلق ، مع ذلك المركز اللامرئي للوجود ، اما من جانب اخر فان التحلل او الذوبان ( الموت ) لم يكن الا مرحلة تكامل في مسيرة الدورات الكونية ، ووحدها معرفة الذات المطلقة كفيلة بوضع حد لهذه الدورات الكونية اللامحدودة وكفيلة ايضاً بكسرِ تشفيرةِ الوهم الكوني الذي ارتبط بالعلاقة الغامضة بين الواقع المطلق والعالم التجريبي ، وتتمثل رؤية الواقع في ان هناك واقعاً واحداً مستقلاً هو وحده الوجود الحقيقي غير المتغير ، وهذا الواقع هو الذي يتيح وجود المظاهر التي تشكل العالم التجريبي ، وللتوفيق بين التعددية المدركة للواقع الموضوعي وواحدية الواقع المطلق تُلزم نظرتنا الى العالم باعتباره مظهراً وليس واقعاً ، والى الإدراك الحسي على انه وهم وليس معرفة .. في مقابل ذلك تتشكل ذاتي التي تعلن دائماً طهارتها البيضاء ، وتقرر اني غير مذنب غير حامل للخطيئة ، وحلم التعري هو مصدر الطهارة البيضاء الذي تتحيا به معنويات الجوهر الفريد لديّ انا الانسان ( خليفة الله ) حامل اللواء البروميثوسي بين ظلمات الآلهة الغلاظ ..... رحلة معرفة الذات هي طريق التكامل الذي يمنحني في نقطةٍ ما ، في زمكونةٍ ما ، من هذا الانزلاق نار تُضمر بداخلي لا تدع مجال لثمةِ جبرٍ يمارس سلطته علّيّ " انا الانسان " .....
كم كان قريباً لديّ الاعتزال
ذنبي انا .... اني أعود
واتناسى إزاحتي
كحصاةٍ اعبئتْ ظهرَ الرصيف
وانتَ يا شائخاً لما تعود الى الخطيئة ؟
يا قلباً لما تعود الى دروبِكَ الوعرة ؟
ألآني متصوّف اكثر ؟
لما تجعلُني أكوى على اللهبِ الخفيف ؟
ألآني اخطأتُ عنواني
وسرتُ كما يسير النائمون ؟
كنتُ ابيض أكثر من جريدةٍ فارغة
لم أرتشفْ وجعي البشري بعد
ما زلتُ طفلاً .. هكذا ما زلت
أتكلمُ ببرائةٍ
دونَ خوفٍ .. دونَ اقنعةٍ
فلا تحسبي جرأتي ابتذالاً
ترفقي بالطفلِ شيخاً موهناً
يتعكزُ بمساميرِ صليبه
ثقلت خطاه
لكنه مازالَ ابيض اكثر من جريدةٍ فارغة
هذا انا
كَمَنْ يتسللُ خارج الموقف
ذهبتْ بنافذتي الرياح
الى غاباتِ الخوفِ والشتيمةِ البائسة
صرتُ اسكرُ هناك
تلطخَ فمي بشيءٍ من اللذة
ثملاً أعودُ تتلمّسُ خطواتي اعتذاراً
أجردُ نصفَ سيفي المكسور
أصغي الى العراء وهو يجرُّ اطرافاً بعيدة
أعبرُ قناطرَ الايامِ ببرشامةِ حلولٍ مزوّرة
واعودُ لِاتصنع البياضَ القديم
واستمعُ لألافٍ مثلكِ
انتِ .. وانتِ .. وانتِ .. وانتِ
وكلماتُكِ كبغيّ تبيعُ في المنفى الزهور
لم أعد بحاجةٍ ان اشتري
لم يعد يهمني ذلك المقصد
لأني كغيري اتصنع البياض القديم