الأربعاء، 7 نوفمبر 2018





الوظائف السردية والدلالية
بين الواقع والمتخيل  
في رواية ( الثقب الروحي )
لمالك مجباس

%25D8%25BA%25D9%2584%25D8%25A7%25D9%2581%2B-11111






الوظائف السردية والدلالية
بين الواقع والمتخيل  
في رواية ( الثقب الروحي )
لمالك مجباس



أ . د . عبد الجليل غزالة


أوليات الموضوع:
     هل استطاع  الروائي العراقي المعاصر مالك مجباس استعمال ( نحو سردي )  Narrative grammar وظيفي معياريstandard  ، يربط بين الجمل والمتواليات المسبوكة  تركيبيا  Syntactic cohesion والمحبوكة Semantic coherence دلاليا على طول صفحات وفصول عمله الموسوم ب ( الثقب الروحي ) ؟ كيف تم طرح ( عتبة الرواية ) ؟ هل تم ضبط ( المعجم الروائي ) بمعية بعض الأحداث المحورية بدقة ( الإرهاب ، داعش ، الجنس ، الأسطورة / الحكاية الشعبية ، واقع مدينة الموصل ، دور حزب البعث في تاريخ العراق الحديث ...)  ؟ ما رؤية المؤلف لبعض المعارف الفلسفية ، والنفسية ، والاجتماعية ، والفنية ، والتاريخية ، والجغرافية المبثوثة بين طيات الرواية ؟ كيف تم التعامل مع شخصية المؤلف ، والسارد ، والمتلقي العربي ؟ لماذا يستغل بعض رجال الدين الإسلام لقضاء مآربهم الشخصية ؟ ما علاقة مفهوم ( العود المعاش ) و ( سفر الروح ) بتقنيات السرد الروائي العربي الحديث والاستشرافي Futurist ؟ ما أهم سمات بعض الشخصيات المحورية ؛ الدكتور منقذ ، هيد ، ميرنا إلياس ، أناهيتا الأفغانية ، داليا الفيلسوفة ، زينب القديسة...؟ هل يحمل مالك مجباس بين جوانحه ( مشروعا روائيا ) مرصوص المكونات والعناصر ؟  كيف تتوزع الوظائف السردية عبر صفحات الرواية ؟ ما أهم سمات الصور الخيالية والواقعية عند هذا المبدع ؟

الوظائف السردية والدلالية في الرواية
     تعانق الوظائف السردية Narrative functions دلالات نصوص رواية ( الثقب الروحي ) ، حيث يتم الاعتماد على عدة حكايات مدونة ينسج سداها سرد عربي محكم الخصائص الجمالية والفكرية والمقامية . تحدد هذه الوظائف أفعال وأدوار شخصيات الرواية ( منقذ ، هيد ، إسراء ، داليا ، المجنون ، آناهيتا ، مشتاق ، أبو علي ، حلا ، أم رقية ، ماريا، سنان ، أم يونس ، أم شيت ، شيماء، عائشة ، زينب ، غونير محمد ، لورا ، نور ، ميرنا ، سوهاج حرير ، كريم ، زهراء ، كفاح ، سليم ، كوازومي ، علا ، جلال ، علاء ، سارة ، حياة ، كرستين ، مراد ، صابرين ، جوليا الثلاثينية ...) ، وعواملها ولغتها الواصفة Metalanguage حسب اختصاصاتها وارتباطها بفضاء وحيز زمكاني محدد  .
     يهتم ( النموذج السردي الوظيفي ) عند مالك مجباس بأعمال وأفعال شخصيات الرواية ، وسارديها ، ولغتها الواصفة ، وعواملها المتنوعة في إطار تفاعل حبكة هذا العمل ومسار أحداثه .
     تحوي الرواية عدة تجاذبات / تناص Intertextuality  ) نصية Textual gravitations  ( التاريخ ، الدين ، الأمثال ، الجنس ، الأدب ، الفن ، الأساطير السومرية ، سفر الروح ، القصص العجائبي ... ) ، كما يتجلى ذلك من خلال العينات التالية :
  _ (( لا نفع من التخبط بين مس الشياطين الذين يثيرون البلبلة والريبة في صدور المؤمنين ...
نرجال يا أيها البطل الصنديد ، يا ابْن بيليتالي ، فلْتفتح الآن ثقبًا في العالم الأسفل ، تستطيع منه روح إنكيدو الصعود من العالم الأسفل/ وعلى الفور فتح نرجال ثقبًا في العالم الأسفل ، فانسلَّت من خلاله روح إنكيدو وكأنّها الهواء ... )) ، ص 2 .
  _ (( ماندالا : كلمة سنسكريتية تعني الدائرة السحرية . وهي مجموعة رموز توحي إلى صورة الكون الميتافيزيقية . ( دائرة الكون ذات الشكل الرباعي التي تتضمن دائرة الإنسان ...
العَوْدُ المعاش : فكرة غامضة ، أن تعيش حيواتك المتتالية ـــ بمنطقية الوجود ــــ بلحظة زمنية واحدة ، فتمارس حيوات متوازية في عوالم متوازية ومرتبطة بِلحظةِ ( نقطة ) اللقاءِ الأزلية الــ  SH )) ، ص 4 .
  _ (( نيتشه أعلن ان الإله قد مات والدين شأن الرعاع ، عبّرَ عن تلك اللحظة بمهارة عبقرية ...)) ، ص 81 .
  _ (( إذا كان يقصد هذا فهو متناقض ومخطئ . خذ نصيحتي : ضاجع الفتيات بنَهم ، تحيا إلهًا بين البشر ؛ لأن الذي يحيا في الخيرات الخالدة لا يشبه الإنسان الفاني في شيء . والخيرات الخالدة تأتي من الإشباع المستمر ، وإشباع اللذة المستمر يأتي من المضاجعة المستمرة  )) . يقول المجنون مقتبسًا ومشوهًا أبيقور . ص  110.
  _ (( العالم محض تفكير ذهني ، نرسمه في أذهاننا فنبعثه على شكل واقع مَعيش )) ، ص 175 .
 _  (( في الأسطورة البابلية :  في تلك الأزمان الأولى ، لم يكن سوى المياه )) ، ص  211.
 _  (( هكذا تكلم زرادشت : كتاب للجميع ولغير أحد )) ، ص 213 .
 _ (( لزرع أعشاب اللذة باسم الله )) ، ص  226.
 _  (( فريدريش نيتشه ، هذا هو الإنسان، ترجمة : علي مصباح ، مع صورة لنيتشه بشاربيه الكثين المتهدلين حتى ذقنه )) ، ص 251 .
  _ (( بصوت كاظم الساهر: ماتتْ بمحرابِ عينيكِ ابتهالاتي ، واستسلمتْ لرياح اليأسِ راياتي/ جفتْ على بابكِ الموصودِ أزمنتي، ليلى ، وما أثمرتْ شيئًا نداءاتي ))
، ص 257 .
 _  (( لماذا طلبتَ الكِنزا رَبّا في ذاك اليوم ؟
 ... هو كتاب مقدس في الديانة المندائية كما تعرفين . عندما كنتُ صغيرًا ، تعلمتُ مبادئ وصلوات الدين المندائي ، كان جدي يأخذني معه ونذهب مع ياسين وأبيه في مناسباتهم ، تعلمتُ قراءة الكِنزا رَبّا وشيء من لغتهم الجميلة ، مارستُ العماد والصلاة ، تعرفتُ على أسطورة الخلق عندهم ، كما هو الحال في أساطير الخلق السومرية ومن ثم الإينوما إيليش الشهيرة والرائعة ...)) ، ص 265 .
  _  (( سآتي إليكِ ، إلى الآداب ، أسمع كلماتك ، همساتك ، أمسك أناملك ، سنحتفي بالثقب الروحي ، ونزور شجرة المعرفة ، أعدك ، أنا في طريقي إليكِ )) ، ص 289 .
  _  (( وها هي أرشكيجال تحاول اصطفاءه خليلًا لها !
    علّها تكون عودة عشتار ظافرة من الموت بإرجاع حبيبها القتيل تموز من عوالم الظلمات السفلية ؟ ! ، ولكن لات حين بهجة أو سعادة ! )) ، ص 294 .
  _ (( وهيد تقرأ في مسودة )) ، ص 295 .
  _ (( نضربه ونسلخ جلده ككبشٍ ، مثل جلجامش وإنكيدو حينما عاقبا الوحش خمبابا في غابةِ الأرز ، لكن هذا العجوز الهرم – ربما- مُحق في جهله للطريق !
)) ، ص 308 .
       تقوم رواية ( الثقب الروحي ) على دعامتين سرديتين محوريتين :
    1 _    أحداث حكائية منسقة .
    2 _    أفعال سردية ودلالية يتم نقلها إلى القارئ العربي .
       لذلك ، فإن الوظائف السردية ترتبط عند مالك مجباس بأحداث الرواية وسلوك شخصياتها ، إذ يتم تحديد سير حبكة هذا العمل الروائي ، وتجسيد الذهنية البانية للنصوص المسرودة ، وربطها بالوعي الجماعي ، وأغراض أفراد ( مجتمع الثقب الروحي ) .
     تقوم الوظائف السردية على وحدات تعد محورية في بناء اللغة الواصفة Metalanguage وأحداثها ، ومقاصدها ، ومنطقها . إنها تسلك نهجا قويما وقارا بالنسبة لأحداث الرواية ( 1  ) .
     يمكن توزيع هذه الوظائف حسب الدوافع والأفعال والتصرفات الموجهة للرواية التي تشكل جمهرة فاعلة تتعلق ب :
     1  _   بالشخصيات المتنوعة .
     2  _   بالساردين وعمليات التجاذب النصي .
     3  _   بالمساهمين في العمل / العوامل المشاركة .
     4  _   بالمنتجين  للنصوص .
      5 _   بالموضوع المحوري Topic .
      6  _  بالقارئ العربي .
      7 _  بالحاجز / المانع .
      8 _  بالتراكيب والدلالات المرصوصة ( توزيع الأحداث الصغرى ، إدماج سمات الشخصيات ... ) .
     عالج فلادمير بروب هذه الوظائف السردية الثابتة والمتغيرة في عدة حكايات ونماذج شعبية ، وعدد منها إحدى وثلاثين وظيفة . وهي عبارة عن سمات وخصائص تكاد تكون متشابهة ومتكررة ، أو متقاربة الدلالات والمقاصد ضمن عدة حكايات عالمية (  2 ) .
     يمكن أن نستنبط من خلال تتبعنا لفصول رواية ( الثقب الروحي ) بعض العناصر المماثلة لإنجاز فلادمير بروب ، والتي نوجزها في النقط التالية :
1     _    غياب أو سفر الدكتور منقذ في بعض الأوقات .
2 _     وجود بعض الموانع والاعتراضات بين طيات أحداث الرواية .
3 _     ممارسة التحدي والتجاوز عند البطل .
4 _     الاستعلام وتسقط الأخبار .
5 _     بروز بعض المداهنة والرياء .
6 _     الوقوع في بعض الحبائل والتعرض للكيد .
7 _     ممارسة الدكتور منقذ لبعض الإصلاح والترميم والرضى ببعض الأمور .
8  _    خضوعه أحيانا إلى بعض الاختبار .
9  _    استجابته لبعض المثيرات الخارجية .
10 _   استغلاله لعدة وسائل لحل بعض المشكلات .
11 _   وجود بعض المنازلات والمجابهات .
12 _   حضور الغلبة والنصر حسب كتاب موقوت .
13 _   اعتماد بعض التعويض لسد النقص .
14 _   وجود عودة للأشياء والموضوعات عند بطل ( الثقب الروحي ) .
15 _   تقصيه لبعض القضايا .
16 _   تقديمه العون والمدد لبعض المحيطين والحواريين .
17  _  وجود تسلل ، أو عمل مضمر .
18  _  استغلاله أحيانا لبعض الزعم والادعاء لتبرير موقف معين .
19  _  مجابهته للصعاب وتضحيته في بعض الملمات .
20  _  تقديره ومنحه قيمة بارزة من طرف بعض المساهمين .
21  _  تعرض سره للانكشاف وافتضاح أمر المستور .
22  _  استغلاله لبعض الأقنعة وآيات متنوعة من التقمص .
23  _  اقتصاصه من بعض المساهمين في ( الثقب الروحي ) .
24  _  علاقته بشريكة الحياة .
     ترتبط هذه الوظائف السردية أيضا بعمليات الاتصال الموجهة لمراحل وصيغ ومقامات العمل الروائي ومقاصده ، فهي تبلور بدقة :
      أ   _    سياق ومرجع الرواية .
   ب  _      سمات المخاطبين وانفعالاتهم واستجاباتهم المتنوعة .
   ج  _      الرسالة السردية / البعد الشعري للعمل الروائي  .
    د  _      سمات القارئ العري والأنساق المعرفية المتعلقة به . 
    ه  _     عملية الاتصال السردي .
    و  _      القانون اللغوي ( النحو الروائي ) الموظف .
     نلاحظ أن هذه الوظائف تتدرج وتترابط عبر فصول وصفحات الرواية تبعا لعدة دوافع وعمران سردي منتج :
1     _     المجنون يشكل قرينا للدكتور منقذ في حله وترحاله ، ويطلب حرق ملفات الهذيان لإقصاء نيران الشك ومس الشياطين المغوية للمؤمنين .
2 _     نرجال يفتح ثقبا في العالم السفلي .
3 _     المنقذ يشارف الموت ويُضْرَبُ حتى يرى ويقارب البياض .
4 _     هيد تهتم بوجبة الغذاء وأختها نور تقرأ كتاب الفيزياء للصف السادس إعدادي .
5  _    الدكتور منقذ يبحث عن الحكاية الشعبية الاسترالية للطبيبة غونير، ويحفظ رسائل وصور ( هيد ) في ملفين خاصين .
6  _    زوج إسراء هو الظل والشجرة التي تختبئ تحتها والجناح الوارف الذي يغدقها عليها الحنان .
 7  _   كتاب ( سِفْر الرُّوح ) ، كل صفحاته بيضاء .
 8  _   صعوبة نسيان كريم لشخصية حياة .
 9  _   قد ينهي شخص ما حياة آخر بكل بساطة ، ثم ينطلق وهو يختال في الشارع دون عقاب أو قصاص .
10 _   إعطاء المنقذ السر في الصباح إلى صاحبة السر.
11 _   منقذ يصور الأماكن والمناظر الطبيعية لبعثها إلى داليا .
12 _   كريستين تشارك أناهيتا شرب القهوة وبعض المكسرات .
13 _   مراقبة أصحاب الدين وأحزاب الرّب لكل جزء من حياة الناس .
14 _   هيد تتعرض في نومها لكابوس مرعب وغريب ، يظهر لها على شكل ثور مجنح .
 15 _  كفاح تدير مملكة عاهرات مسكينات في بغداد .
 16 _  هيد تتقصى ملامح دنيا وما تنوي فعله .
 17 _  الدكتور منقذ تراوده كوابيس أو أحلام يقظة عن خيانة زوجته إسراء ، فيناقشها مع  المجنون .
 18 _  القس يخبر المتعلمات أن اللائي ينقلن ما يحدث في الكنيسة من جنس بأنهن سيتعرضن للحرق في نار الجحيم التي أعدها الرّب لكل المخطئات .
 19 _  ورود رسالة من سليم تشير إلى أنه مازال حيا يرزق .


علاقة الواقع والمتخيل بدلالات الرواية ( 3 )
 تتجلى هذه الدلالات السردية في معالجة الموضوعات التالية :
    أ   _    تقصي بعض تجليات الإرهاب في مدينة الموصل .
    ب _    رصد أحداث ما بعد نظام حزب البعث وصدام حسين، وسقوط البلاد في يد العملاء والغرباء، وتجربة السياسيين الجدد حتى عام 2016م.
 ج  _      خلق ضروب من التداخل والاقتباس والتجاذب النصي مع بعض النظريات الفلسفية ، والفنية ، والأدبية ، والتاريخية والجغرافية...
  د  _      معالجة بعض المحظورات والمقدسات .
  ه _      حث القارئ العربي على التنوير والتغيير والتحرر والنهوض.   و _        تسليط الضوء على نماذج من الإرهاب الديني والسياسي.
 ز _        طرح فكرة ( العود الابدي ) و ( العود المعاش ) من خلال حكايات بعض شخصيات الرواية ( ميرنا إلياس ، أناهيتا الأفغانية ، داليا الفيلسوفة ، زينب ، منقذ ، هيد ...  ) .
ح _        بناء جسر مكوكي بين الواقع والمتخيل .
ط _        رسم فضاءات وأحياز زمكانية واسعة للشخصيات بالارتكاز على لغة عربية واصفة ، تعد مشتركة ومسيطرة اجتماعيا ، لأنها تهز القارئ العربي  وتسكنه .
ي _       رحلة المجنون في الحياة الدنيا ، حيث تتماهي شخصيته مع شخصية الدكتور منقذ في أغلب الأوقات ، وما أكثر هذه المماثلة والازدواج في عالمنا الواقعي .
ك  _     انسلاخ بعض ( الذوات الروائية ) عن قواعد الواقع وبروز بواطنها الغامضة والغريبة  .  
ل  _      تحليل الحالات النفسية والتصرفات المتنوعة لبعض الشخصيات المقيمة في أستراليا ( حكاية ميرنا إلياس ) .
م  _      رفض المنتظر الأسطوري المنقذ والتحرر من أساطير الأولين .
ن _      امتزاج الكمال بالجمال النسبي .
س _     كشف المستور القابع في مدينة الموصل وتقصي موضوع الإرهاب والعنف الديني والجنس ...
ع   _    بناء تقنيات سردية مبهرة لتطوير واستشراف ( الرواية العراقية ) .
ق   _   إذاعة تنوع ثقافي فني عبر فصول العمل ( خلق عوالم مختلفة ، مفاجآت سردية ، تميز سمات الشخصيات ، السلوك البشري ، تنويع الأسطورة المنقذة ...) .
 تحتل ثنائية : الواقع / الخيال دوراً مهما في الرواية العربية المعاصرة على العموم ، وفي الرواية العراقية على الخصوص . فالخيال هو الذي يرمم فجوات الواقع ، لكنه يبقى صعب المنال والترويض ، ولا يتمكن من ناصيته إلا المبدعون الموهوبون الذين يخلقون من خلاله سردا عربيا غرائبيّاً ساحراً . إنه يقوم على صورا غير معهودة ( 4  ) ...
   يعتمد الخيال في رواية ( الثقب الروحي ) على مستوى الأنا ، إذ يسعى الواقع الخدَّاع الزائغ إلى تقويض البناء الهشّ للحلم ، أما الخيال فيهتم ببناء عوالم سردية غرائبيّة ، لتتبدَّى حقيقة الرغبة والوسيط ، والوهم الرومانسيّ الذي يحجب الرغبة المستقلة والأصيلة .
   يقوم مالك مجباس بتحليل  العلاقات القائمة بين الحقائق والأوهام التي تعتنقها بعض شخصيات ( الثقب الروحي ) ، فيكشف لنا عن جمالياتها الرائقة ، وهو ما يبرز قدرة هذا المبدع على ارتياد آفاق سردية باهرة .
   يرتكز التخييل الروائي إذن على المسرود ات المرصوصة  المتعلقة بالأحداث المتخيلة التي تنتشر عبر فصول الرواية . إنه يمثل لعبة سردية مهمة تترجم في الواقع الحي ، لتكشف عن الخيوط الدقيقة التي تفصل أو تربط بين الفنّ والحياة وتجربة المبدع ورؤيته للعالم .
   يمنح هذا التخييل شخصيات وعوامل ( الثقب الروحي ) أبعاداً مختلفة ، حيث يتجلى في معظم الحالات : فرحاً ، حزناً ، تصويراً ، انتقاما ، ترويحا عن النفس ، جنسا ، خواء فكريا ، مروقا ، سفسطة ، تعذيبا ، استعطافا ، عنادا ، سفاهة ، غباء ، حذلقة ، وصفاً ... وهو ما يجعله يعانق مختلف جوانب العمل السردي ومقاصده ( 5  ) .
   يقدم المؤلف عدة نماذج متجاذبة ومتداخلة  Interferenceللتخييل عبر فصول الرواية أثناء معالجة :
أ   _    الحالات النفسية والسلوكية للمجنون ولبعض الشخصيات المحورية في العمل .
 ب _    حالات العشق والجنس والإباحية بين بعض شخصيات الرواية .
 ج  _   التجاذب النصي مع التراث العالمي والأساطير المتنوعة وبعض الحكايات الشعبية .
 د  _   صور الحياة والموت والعالم الأخروي والرثاءً الرومانسي العجائبي.
ه _    الكوابيس وأحلام اليقظة عند بعض الشخصيات .
 و _   المناجاة والحوارات المتنوعة والمواساة والترويح عن الأنفس المكلومة .
ز _    عمليات الانقلاب الكبير غير المتوقّع في المسرود الروائي لصدم القارئ العربي ، واستفزازه ، وهزه من الأعماق ... ( أقوال وشطحات المجنون ، حالات الجنس والإباحية ، الإرهاب ، استغلال بعض الفقهاء للدين ، عذاب بعض الشخصيات واعترافاتها ، علاقاتها بالقراءة والكتابة ، رموز داعش ، الأساطير ، سفر الروح ....) .
ح  _   الالتباس والتداخل بين الواقع والخيال عند بعض الشخصيات ، وبين الحلم والكابوس ، والمسموح والممنوع ، الدين والحياة ، المنجز والمأمول ...
ط  _   الفراغات والثغرات القابعة في ذهن القارئ العربي لخلق التفاعل بينه وبين المؤلف ، وتنشيط خياله الذي يطرح عدة نهايات أو بدائل وتأويلات ومقاصد مثيرة لا ( تخصي ) ، أو تفكك أو تعطل دلالات ومقاصد العمل .
   يرتكز التخييل في بعض فصول وصفحات الرواية على استغلال البعد الغرائبي والعجائبي لبعض الحكايات والأساطير السومرية ، وأقوال المجنون . إنه يمثل عنصرا سرديا مهما داخل هذا العمل ، تؤثثه لغة عربية مشتركة صافية ، تسعى إلى تسطير عدة غرائب وعجائب بشكل محبوك ومحنك .
   تتنوع الآفاق المختلقة ، وتتسع المسافات المترامية عند القارئ العربي لهذا العمل ، فتتعدد أبواب ونوافذ خياله ، مما يجعله يعتقد أنه قد قام بفك شفرات نصوص ( الثقب الروحي ) عن طريق التأويل الشخصي والافتراضات والمزاعم المبيتة ، وهو ما يزيد هذه الرواية سحرا وإبهارا واستفزازا .
   يواجه القارئ العربي صعوبة تفكيك بعض الخصائص الجمالية والفكرية والتداولية Pragmatic  والتراكيب اللسانية عند مالك مجباس ، وهو ما يجعله يسعى جاهدا للبحث عن معانيها القويمة والمحورية ، حيث يقترح عدة أبعاد وفرضيات ومقاصد .
   يتجلى عمل الوظائف السردية وعلاقتها بثنائية : الواقع / الخيال في العمل المدروس من خلال :
  أ   _ تنويع بعض الصور وتجديدها وتغيير بعض المشاهد والتلاعب باللغة العربية المشتركة ، حيث يقول في الصفحة 34 :
_  (( بعثتْ فيه هذه البنت أفواجًا من الذكريات المباغتة التي كانت تراقبه من وراء ستار شفاف ، تنتظر كوة صغيرة تنفذ من خلالها إلى سطح تفكيره ، وها هي الآن تنبعث من رحم أعماقه وتشكل مزاجه الليلي المُتقهقر إلى عبق الماضي )) .
   يربط المؤلف هنا بين المحسوس والملموس ، ويقلب الآيات والمشاهد المعهودة : ( أفواج الذكريات ، والكوة الصغيرة المطلة على سطح تفكير الدكتور منقذ ، وهذه الفتاة البغدادية التي تولد من أعماقه في ظلام ليل سيدني الاسترالية ...) .
   يتمدد خيال مالك مجباس ويتسع ، ثم يرحل محلقا وباحثا عن جمهرة من الصور الخيالية ، ليوزعها عبر عدة مواطن من روايته ، ويتفنن في رصدها وتلوين جوانبها العجيبة والغريبة ( 6 ) .
   يطالع هذا المبدع القارئ العربي بضروب من الخيال والآفاق الغرائبية والعجائبية التي لا تعد ولا تحصى ليفتنه ، ويجعله يذعن لسرده العجيب . نجده يمزج أحيانا بين أقوال المجنون والدكتور منقذ والأساطير السومرية والحكايات الشعبية الأسترالية ، وصور الجنس والدعارة المقيتة ، كقوله في الصفحتين 37 _ 38 :
_   ((  البشري سيبقى كائنًا وحيدًا ، يعيش في شرنقة موحشة ، لا تنفعه صداقات ولا حبّ ، فما هي إلا لحظات ويعود إلى شرنقته ، فتموت السعادة ويضمحل الحب ! يولد وحيدًا ، يعيش وحيدًا ، ينام وحيدًا ، يتبرز وحيدًا ، يستحم وحيدًا ، يبكي وحيدًا ، تمضي أيامه وحياته وحيدًا ، يموت وحيدًا ، يأكله الدود أو النيران وحيدًا . كفى حديثًا بلا معنى ، اكتبْ يا ولدي )) المجنون ينبهني بغضب .
   وفي الصفحة  60يسرد لنا :
 _ ((  يجب أن نعيد دورات الحياة ونصنع خريطة العالم من أجسادِ الشهوة واللذة )) ، يقول المجنون مرتديًا لباس الحكيم العارف.
   ونقرأ قوله في الصفحة 94 :
_  (( ... الأسد كانت تمارس الجنس مع عدة عشاق تتخذهم أخدانًا في فترات مختلفة ، ما إن تنتهي من أحدهم حتى تشرع في علاقة جديدة ، فهي امرأة شهوانية لا تشبع ، عقلها بين فخذيها ، تسيطر على زوجها الضعيف حد اللعنة ، حتى مع ابن عم زوجها كانت تمارس سد رمق غريزتها في أيامها الشهوانية المفرطة ! ... )) .
   ونعانق في الصفحة  148قوله :
_  (( حياتنا كُلُّها مجاهيل ، لا مجال لأية هوية ، جميع مسميات الهوية مجرد افتراءات لا أساس لها من الحقيقة . نحنُ مجهولون في فضاء مجهول ، سارحون في صحراء الضياع ، تائهون ما حيينا وما متنا ! والآن ، أيقنتُ ، أن الموت لا يوصلنا إلى الحقيقة ، حتى الموت المطلق هو وهْم في وهْم . وجودنا كله كارثة بحق ، وموتنا كذلك ، لا خلاص لنا ، لا خلاص !. المجنون يبث كلماته الغرائبية بينما يدخن سيجارته بسرعة وكأنّه يريد الإمساك بدخانها ، لا يريد لخيوط الدخان أن تتحرر ، يحسدها على تحررها ، وهو مُحق في ذلك إلى حدٍّ بعيد ، فهي تعود إلى العدم ! )) .
   ونطالع قوله التالي في الصفحة  178:
_  (( ها هو يوم آخر أبتهلُ به إليكِ ، أطوفُ في محرابِكِ ومحرابِ عينيكِ الرائعتين ، أتنفسُ شيئًا من غبار خطيئتي البشرية لأُطهرَه بماءِ حروفِكِ ورسمِكِ النقي ، أكشفُ ملامحَ سري في رحمِ جنوني بكِ، أترك خريفي ورائي وألتجأ إليكِ . يا هيدتي الغالية ، يا نور حياتي المُنتظَر ، يا قنديلي الذي يطفئ ظلمات عتمتي القاتلة ، يا مطري الذي يروي ظمأي ويسقي جفاف عروقي ، يا فضيلتي التي أبحثُ عنها منذ وجودي ومنذ خليقتي ، وقبل وجودي وقبل خليقتي . أنت يا طريقي إلى البياض ، أنت يا دفئي العتيق ، يا نور الروح. يا كلمتي المقدسة ، نافذتي الوحيدة في هذا الكون الغائم المغلق . تعالي إليّ، أنا متداعٍ وملتجئ إليكِ)).

 ((هذا البشري وهذه حياته، فلتُنظّروا ما شئتم، قولوا ما بدى لكم ، اكتبوا ، اصرخوا... سيظل البشري على ما هو عليه ، مجموعة من العيوب المركونة في وعاء يسمى جسداً أو جسماً. وهذا سبب الخواء الذي تعيشونه. أنتم تاريخ وسلاسل من الفراغات الخاوية، تتجمع في لحظةٍ تائهة؛ فتنتج هذا البؤس . يقول المجنون ويبدأ بالنهوض متثاقلاً )) .
   ويسرد في الصفحة  259:
_ ((الحبُّ يبقى في حالةِ النقصان الأبدي ما لم يختلط بشهوةِ التسلط ورغبة الإيلاج والقذف إن لم تكن غريزة التدمير، أي أن عالم الرومانس (القناع الكاذب) يختلط مع الإباحية والأيروتيك (القناع الحقيقي) بصفته الداعرة؛ وهذه العلاقة كفيلة بالوصول إلى مشارف الكمال اللذائذي، أي الوصول إلى الذروة ثم الخفوت. وهكذا هي الحياة، نمو، ذروة ثم تقهقر واضمحلال. إذًا الذروة هي بداية النهاية، وفعل الجنس هو ذروة الحب وبداية نهايته معًا.
 دعنا نتحدث عن الحب بصراحة، عن العادة السرية وما تضمر من حب الذات والنرجسية، عن حب المثلية الجنسية سواء الذكورية أو الأنثوية، حب البغايا والعاهرات، عن الحب المحرم، الحب المراهق كما يسميه أصحاب العقول القردية. دعنا نزيل غشاء الخجل والنفاق، نتحدث بصدق ولا ندخل أغلال الأخلاق إلى حديثنا، دعنا نكشف ما يريدون إخفاءه بدوافع الحشمة وقيم المجتمع وشرائع الدين، هيا. لماذا الزواج التقليدي هو الصائب؟ لماذا لا نتزوج من نشاء وما نريد؟  نضاجع أي فتاة تعجبنا وفي أي مكان نجدها، لا نخشى المجتمع ولا أي تبعات قانونية فاجرة وغيرها، لماذا لا يحصل ذلك إلا بحدود الحرام والمحرم وغير القانوني والشاذ؟ وحتى في البلدان التي تدعي الانفتاح يبقى خط الجنس حاجزًا أحمر بوصفه تابو!. اللعنة عليكم اكسروا القانون والشرائع، سيروا في الطرقات عراة ومارسوا ملذاتكم وفق غريزتكم الحيوانية الحرة. هيا يا شباب بني البشر اغرفوا من بحور الجنس كما يحلو لكم، هيا، مارسوا رذائل بشريتكم وفضائلها كما تريدون)).
   ونطالع في الصفحة 288 :
_ ((ما جدوى النضال البائس؟ ما جدوى نزاعكم من أجل البقاء؟ ما الذي سيبقى بعد ــــ مثلًا ـــ مائة عام؟ لا شيء، سيختفي الجميع، يموتون ويتلاشون في اللا شيء، سيبلعهم العدم. لا أفهم المغزى من لهاث البشري وراء تفاهات حياته ليل نهار، يركضون خلف ما يشبع حاجاتهم ورغباتهم، يظنون أنهم يبحثون عن الكمال أو السعادة، لكن، لا جزء من كل تلك الأقاويل قد تحقق ولن يتحقق، هم هكذا عطشى على الدوام، وعطشهم يتعاظم مع الزمن. ستذهبون جميعكم إلى الجحيم، فلا تقاوموا نهايتكم، استسلموا يا صغار أغبياء. يقول المجنون بينما ينفث دخان سيجارته بعيدًا ويراقب دواماته التي تلتف، تنتشر وتختفي بصمت وهدوء، ثم يعب كأس الويسكي البارد)).
   ويذكر في الصفحتين 308 _ 309 :
_  ((   خضتُ كثيرًا في المياه الضحلة ، تمرغتُ بما فيه الكفاية بين قذارات الحمقى الذين يتصورون أنفسهم برازًا مهمًّا تقوم عليه الحياة ! حتى وصلت إلى اللا مبالاة تجاه كُلّ ما يحيطني وما يعتريني. ورغم إيماني أن الكثير من الأشياء بإمكانها أن تسبب الإزعاج، تتمادى وتسرب سمومها إلينا ما إن نجعل موقفنا تجاهها رخوًا، إلا أني قد قررتُ تجاهل ما لا أرغب به، أدركتُ كما من زمنٍ بعيد، والآن حصلتُ على المفتاح الذي انتظرته طويلًا.
 يا مَن تريد الدخول، تخلّ عن كُلّ أمل، هذه شيفرة بوابةِ الجحيم، كلمة سر الدخول الطبيعي إلى الحياة، المعنى الحقيقي لبداية النزوح. كيف نتخطاها؟ يجب أن نكسر هذه القاعدة، نمارس التمرد الأعمى! ونعاكس التيار الجارف للوجود، نعود إلى الغابةِ المبهمة، نجد الكاهن الكفيف، نلتمس منه أن يدلنا على الطريق، نلتقيه في الليل، حيث تتحول الأوراق والحجارة إلى أفاعٍ سامة، الناس نيام، الغابة مظلمة، والحزن يخيم على الكائناتِ والبرية، نخبره حاجتنا؛ أن نعثر على الثقب، سينكر، نضربه ونسلخ جلده ككبشٍ، مثل جلجامش وإنكيدو حينما عاقبا الوحش خمبابا في غابةِ الأرز، لكن هذا العجوز الهرم – ربما-مُحق في جهله للطريق! فهو مجرد شعور مخبول باغتني وأخبرني أن هذا المغفل الأعمى يعرف السبيل.
 أتعتقد أن طرق المستقبل والماضي مفقودة، وما علينا إلا المضي قدمًا في دهاليز متاهاتنا اليومية التي نتوهم فيها أننا نخلق حقائقًا ملموسة من خلال التنفس والعيش؟ لا أعرف، أنا ضائعة، أنا ظلال شيطان، غريبة، أتداعى، أنا جاهلة، بحاجة إلى رويِّ ظمأ معرفتي، معرفة مصيري ومصير منقذي. أعيش لحظاتِ الدفق الأخير، وكأنّ الحياة شهقة تائهة، كلها لا تساوي شيئًا، كل ما تم إنجازه عبارة عن قصةٍ كاذبة، لعبة تديرها أيادٍ خفية، وما الغريب؟!
 حلمتُ في يومٍ وتأملتُ حلمي؛ تتساقط الأوراق تباعًا، تتلو كلماتها الأخيرة وتمضي، الأنهار تتضرع بأغنيةٍ مُبهمة، يتصاعدُ الضباب، وصخب الخليقةِ يصحو على أرقه الجديد أو ربما يخبو في سكوت آخر! هنالك الصمتُ يحل، وهنالك ثمّة حمامةٌ بيضاء، حمامةٌ نورانية، من نورٍ أبيض، أبدي، هنالك ثمة أنا، أنا القديسة زينب، المسكينة التي من الظلام وإلى الظلام تسير، تبحث عن طبيعتها المختفية، عن نورها الغائب، وحيدة تمامًا كما هي دائمًا. والنهاية كانت باهتة. لا، لا، لا، هنالك ثمة وهج نوراني، نعم، هنالك في نهايةِ الظلام منقذي ينتظرني، سأقبله، سأرتشف رحيق لعابه وأنفاسه.
 أنا متيقنة من معرفتك بهذا اللقاء، أنا ذاهبة إليك، إلى منقذ، إلى عشقي الخالد. سأصمتُ عن هذياني المريع ، وعن كشف أسرار طريقنا السري ، سنلتقي ونتحدث بلا نهاية .
 دكتور أنا قررتُ الذهاب إلى نقطةِ شروع طريقي في الحياة، أنا عائدة إلى منقذي، سأراه اليوم. دمتَ بخيرٍ يا رفيقي، دون كليشيهات الوداع والابتذال البشري، أنا راحلة ـــ عائدة)) .
   ونقرأ في الصفحة  311:
_  (( راقب النمل تحت قدميك يا صديقي ، كلهم قطيع من نمل ، لكنهم بلا رؤوس وبلا هدف أو غاية ، البشريون نمل تائه ، نمل خاوٍ ، نمل غبي. كُلُّهم بَيادِقٌ بُلْه تُحرّكهم أناملُ وحشٍ خفية )) .
   يحاول المبدع توظيف صور متنوعة من الخيال لجعل عمله السردي يتماهي مع الواقع ، حتّى ليخيّل للقارئ العربي أنّ الدكتور منقذ بطل الرواية قد عايش وشارك في الأحداث التي وقعت في العراق . فكأنّما مدينة الموصل تمثل جحيما تولي الفرار منه شخصيات الرواية إن استطاعت إلى ذلك سبيلا ، وكأن ويلات الإرهاب ، وجهالة رجال الدين ، وجحيم جماعة داعش وضلالهم هي نسق اجتماعي قائم يحرق بلظاه كل الذين يعايشونه .
   تتداخل فصول الرواية وأحداثها ، وتتقاطع سمات الشخصيات والآيات السردية ، لتقدّم عوالم روائيّة غنيّة ، يبسط من خلالها المؤلف المشكلات المزمنة ، ومشكلات الإرهاب ، والدين ، والجنس ، والخيانة ، والتحزب ، والسطحية ، والعمالة ، والخواء الفكري ، والظلم ، والهمجية ...
   يتعرض لثنائية : الواقع / المتخيل عبر فصول رواية ( الثقب الروحي ) باستغلال عمليات التجاذب النصي والاقتباس المتنوع من التراث العالمي ، والأساطير ، والحكايات الشعبية ، والحلم ، والكوابيس ، ومأساوية وجنون الواقع العراقي ، فيقدم لنا صوراً متنوعة تعانق سلوك وسمات الشخصيات المتقلبة في ظل الإرهاب ، والجنس والدعارة ، والأسفار عبر العالم ، والعلاقات المختلفة بين الناس ، وأشكال من التذكر والاستحضار لتاريخ وسيرة بعض النماذج المشكلة للرواية (  7 ) .
   تتنوع الفضاءات والأحياز الزمكانية عند المؤلف من خلال استعماله لتقنيات سردية مثيرة ، تسطر عليها قضايا الجنس والإرهاب وعذاب الشخصيات ، ومشاريعها ، وانكساراتها ، وكوابيسها وأحلامها التي تشهد على واقعٍ عراقي محلي مهترئ قد نال نصيب الأسد من رؤية المؤلف ، والشخصيات ، والساردين ، واللغة الواصفة والفضاءات والأحياز الزمكانية .  
   يجد الدكتور منقذ نفسه مكبلا بعدة التزامات وعلاقات ، وثقافات تخص المخاطبين والحواريين ، وشخصية المجنون / القرين ، فتتبخر حريته ومرونة أثناء التعامل مع عدة مواقف ، لكنه ينتصب بهامته ، ويمشي مجابها للصعاب رغم سوء بعض السياقات والمقامات . نجده يتحدّى عدة صعوبات ومثبطات باستغلال طريقة الحوار والمناجاة والجدال والتذكر والتخيل . إنه يجابه الإحباطات والعثرات المؤلمة ، والذكريات الحزينة ، والظلم والإرهاب المقيم في الديار .
   يشرئب الجنس كل مرة بصوره السافرة ليؤثث الواقع والخيال ، فيمتزج بالعذاب والإرهاب والخراب ، والجفاء والخواء الفكري لنفوس بعض الشخصيات ...
   تتعدد الدهاليز والمساحات، وأشكال السقوط في الهاوية وغياهب الجب، ويتنوع الصعود منهما بغية الربط بين الواقع والخيال، من خلال تقديم صور من العذاب والقهر والموت البطيء ، والانهيار والضياع ، والوضاعة كمحاولة لعبور ( الثقب الروحي ) بشتى الوسائل والسبل والوضاعة ...

   وخلاصة القول أن مالك مجباس قد استعمل عدة وظائف سردية في روايته المثيرة والمستفزة لعدة قيم وأخلاقيات ثابتة ، كما أنه قد أجاد تصوير عدة مشاهد متنوعة من الجنس والإرهاب وعذاب وتشتت وطموح بعض الشخصيات والعوامل ...
   لقد وظف هذا المبدع تقنيات سردية ونقدية اتفاقية Conventional ( الشخصيات ، الأحداث ، الحبكة ، الفضاء والأحياز الزمكانية ، اللغة الواصفة ، الساردون ، الرؤية الخاصة بالمبدع ....) في هذا العمل بحنكة وحبكة بالغتين ، وسطر آيات بينات أدبية تتحرك بين الواقع والخيال ، وهو ما يدل على تمكنه من أدواته السردية ، واستشرافه للجديد المفيد في دنيا الرواية العراقية المعاصرة .
   يمكن جمع شتات هذا الموضوع في النقاط التالية :     
1 _  تنوع سقوط بعض الشخصيات في حبائل الجنس ، والعذاب ، والانهيار ، والإرهاب ، والكوابيس ، والخواء الفكري ، وطغيان الانعزال ، والأنانية ، والمروق ، والنفاق ...
 2 _ سرد مآسي الشعب العراقي وانتكاساته وفساد بعض الأنظمة والمعتقدات
والقيم والأخلاقيات .
3 _  حب التغيير والجنس يقبعان في أعماق الشخصيات بعتمتهما وكآبتهما ومأسويّتهما ، وانعتاقاتهما وترويحهما عن النفس ...
   4  _   تعدد صور الخيال والواقع المنشرة عبر صفحات وفصول الرواية ، والمستعملة دون أي تضليل أو تمويه أو شرود ، بل نجدها تنشّط الخيال ، وتفعل الفضاءات والأحياز الزمكانية ، وتبعث على الاستشراف وحسن الفهم والتأويل ، وتقدّم بدائل وعوالم لا تخطر على بال ، ولا يطالها الخيال العادي.















الهوامش
1    _   كريمة بوكرش ، الوظائف السردية والدلالية للخطاب الصوفي في الرواية العربية المعاصرة  ( شجرة العابد ) لعمار علي حسن نموذجا . أطروحة دكتوراه ، جامعة محمد بوضياف ، المسيلة ، الجزائر 2007 .
2    _  زهراء حسين العراقي ، مقال عن رواية ( الثقب الروحي ) منشور على شبكة المعلومات .
3    _  جمال مباركي ، الوظائف السردية في نقد الرواية ، مجلة العلوم الإنسانية ، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ، الجزائر ، العدد 24 ، ص 335 .
 4  _   جيرار، جنينه ، ترجمة د. رضوان ظاظا ، الكذبة الرومنسيّة والحقيقة الروائيّة ، ط 1 ، المنظّمة العربيّة للترجمة ، بيروت ،  2008م.
5   _   ريمون كنعان ، شلوميت ، ترجمة لَحسن أحمامة ، التخييل القصصي – الشعريّة المعاصرة ، التكوين ، دمشق 2010 م .
 6  _   رضا صيداوي ، رفيف ، الرواية العربيّة بين الواقع والتخييل ، ط  1  ، الفارابي ، بيروت ،  2008م .
 7  _   توهومجو ، أصلي ، ترجمة بكر صدقي ، لا حياة لي من دونِك ، رواية ، قَدْمس ، دمشق 2010م .




أسفل النموذج



الجمعة، 12 أكتوبر 2018


ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏



. حوار صحفي مع الدكتور مالك مجباس
حاوره: خالد عبد الكريم



الدكتور "مالك مجباس" يفتح قلبه في حوار خاص لجريدة النهار العراقية ويقول : [هدفي من الحياة رمي الحجارةَ في المياهِ الراكدة أعكر صفو الكسل الغافي ؛ وأزرع الشك في الجدرانِ الصلبة للجهل وحراسه !! ]
إنه الشاب العراقي الواعد صاحب الفكر الناضج والقلم الجريء ، خاض تجربته الفريدة من نوعها بتأليف روايتِه الأولى "الثُّقْبُ الرُّوحيّ" التي رسم فيها خطوط الدفاع الأولى لمدينة الموصل ضد الهجمة المتطرفة ،
حاوره الكاتب والصحفي "خالد عبد الكريم" وكان السؤال الأول هو :
س1/ عرفْنا بنفسِكَ أيها الشّابُ العراقي الواعد؟
ربما من أكثر الأمور صعوبة لدي أن أتحدث عن نفسي. سأقول: مالك، وهذا كافٍ بالنسبة لي .
س 2 / لكل إنسان هدف واضح في الحياة ، ما هو هدفك ؟
هدفي في الحياة أن أرمي الحجارةَ في المياهِ الراكدة، أعكر صفو الكسل الغافي برقدته الدائمة!، عادة ما أردد مع نفسي: "ارمِ الحجارة ولا تلتفت للموجات، أمضِ إلى مناطقٍ نائمةٍ أخرى، اشعلْ الشموع إذا كنت قادرًا، لا تلتفت لأقوال الآخرين أيضًا، يكفي أنك مؤمن بما تقوم به".
وظيفتي أن أزرع الشك في الجدرانِ الصلبة للجهل وحراسه، فيما يُعتقد أنه ثابت ولا يمكن التشكيك به، أريد إعادة خلق ما وجدناه وحسبنا أنه قائم وكفى به طوطمًا مقدسًا... أمنيتي أن أرى كل البشر يعيشون بسلامٍ وكُلّ بشري محترم ولا تسلب حقوقه ويهان بشتى الطرق المجحفة. رغم أني أعتقد أن هذه أمنية مستحيلة؛ لأني مؤمن أن الحياةَ ستبقى هكذا في ديالكتيكية مستمرة وعائدة من الخرابِ والاعمارِ والفسادِ والصلاح. وهذا ما يميزها ويختمها بصفتها: حياة بشرية! ...
س3/ كيف كانت نشأة الدكتور مالك في مراحل الطفولة المبكرة؟ وهل تأثرتَ بشخصٍ معين في طفولتِكَ؟
ولدت في الريف الميساني ونشأتُ فيه، لذلك أظن أنني منتمٍ إلى البقاع السومرية الأولى حيث الإله "أنكي" والناصورائيون أصحاب المياه العذبة والنقاء والبياض، منتمٍ إلى تلك الجذور الأولى ..
بالنسبة للشق الثاني من سؤالك: نعم، تأثرت "بعلي الوردي" كثيرًا منذ الطفولة، فقد قرأته بعد عمر ال 11أو ال 12 عام، بعد معرفتي القراءة والكتابة كوني لم أدخل المدرسة بوقتها المحدد. أن الوردي هو البوابة التي دخلت منها إلى الحياة بصورة خاصة وبشكلها الأوسع فيما بعد. قرأتُ كل مؤلفاته في سن المراهقة قبل أن أنتقل إلى مستوياتٍ أكثر تعقيدًا في عوالم الفكر والمجتمع البشري المتنوع .
س4/ ما أهم المراحل التي واجهتُها بعقليتِك المتمردة على الواقعِ؟ وكيف حققتَ الكثيرَ من النجاحاتِ بأسلوبِكَ الفكري والثقافي المميز؟
الاصطدام مع الواقع لابد منه، لكن قبله يجب أن تصطدم مع ذاتك، نعم، يجب أن تتغير من الداخل، تغير نفسك، ثم عندما تصبح قادرًا على معرفة جزء ضئيل من شخصيتك يمكنك أن تواجه الواقع ، لم أحقق النجاحات التي أود، ما زلتُ في البداية، لكنني أسير بخطى ثابتة، أخطط لكل شيء "بالورقة والقلم" والجداول الزمنية والخرائط الذهنية، توقعاتي لا تخطئ وحساباتي دقيقة، لذلك أنا مؤمن بنفسي وقدراتي، نرجسي في نظرتي لذاتي، ثقتي بـِ"مالك" كبيرة ومطلقة.
س5/ أين تكمنُ قوةُ الدكتور مالك؟ وهل أنت خائفٌ من المجهول؟
قوتي -كما ذكرت لك-تكمن في ثقتي بنفسي وإيماني بها، في أني أسير بخطى ثابتة، أخطط لكُلِّ شيء ولا أترك للصدفةِ مجالًا إلا اليسير. أؤمن أن أدوات النجاح مهمة جدًا، علينا أن نهيئ كل ما نحتاجه في رحلةِ الوصول إلى أهدافنا ثم ننطلق بلا توقف، سنجتاز كل العراقيل بصلابةٍ ونحقق ما نطمح إليه.
للجزء الثاني من السؤال: هنالك جوابان؛ فلربما يجيبك مالك الواقعي المخطط والعقلاني: بـِ: لا، لا أخشى المجهول؛ كوني وأثق مما أفعل ولا يهمني ما سيأتي مادامت دفاعاتي متينة ورصينة. أمّا "مالك" غير الواقعي أو ما أسميه "جزئي المجنون" (لأني أعتقد أن لكل منا جزء مجنون يجعلنا نعيش بطيش في كثير من الأحيان) فلربما يجيب: نعم، أخشى المجهول، أرى الحياة تسير بلا مقود، بلا نقاط إسناد، تخيل لي أنها موحشة ومخيفة في أغلب اجزائها!! وربما العكس!!

س6/ أعلم بأنك قارئ نهم وستصبح موسوعي يومًا ما، في أي سنٍ بدأتَ بالقراءةِ؟ وما هو أولُ كتابٍ قرأتُه وأثر فيك فعلياً؟
نعم، أنا أقرأ كثيرًا، كما أخبرتك بدأت قراءة مؤلفات الدكتور "علي الوردي" منذ الطفولة، كان كتاب "شخصية الفرد العراقي" ثم جميع مؤلفاته، وهكذا بدأتِ الرحلة حتى دخلتُ عالم الفلسفة وعلم النفس والآداب والشعر والفنون وسواها.
أنا مهتم بعلم النفس والتحليل النفسي؛ ولي في هذا المجال ما أعتقد أنه "اطلاع جيد"، أميل إلى طروحات من جاء بعد فرويد أو ما يسمون بـِ"اليسار الفرويدي"، منهم: كارل يونع، وكرن هورني وإريك فروم والفرنسي جان لاكان والمدرسة الإنجليزية ميلاني كلاين وغيرهم... اعتبر فرويد من الأشخاص الذين قلبوا تاريخ البشرية وغرسوا في ضميرها مصباح كبير كشف من العتمةِ والظل الكثير ، فرويد، آثر بي كثيرًا تناقشتُ معه، جادلته أيضًا، قرأتُ جل مؤلفاته المهمة وأعدت أجزاءً منها أكثر من مرة.
كثير من الكتاب والأدباء شاركوا في نمو شخصيتي الحالية، كم كبير من الكتب أعتقد أنها صنعت أجزاء مهمة مني، ربما يمكنني تذكر منها: أغلب مؤلفات شكسبير، دستويفسكي، ليو تولستوي، ماركيز، دي ساد، ساراموغو.... إلخ كثير من الفلاسفة كان لهم تأثير مباشر علي، من سقراط وهيرقليطس وافلاطون وابيقور وزرادشت وليس انتهاء بشوبنهاور والمعلم نيتشه.
س7/ هل لكَ عالمٌ خاص عندما تقرأ؟ كيف يمكنُك التوفيق بين أوقات القراءة الثقافية ودراسة الطب؟ وما هي الأوقات التي تستمتعُ بها ولا تتنازلُ عنها دائما؟
أقرأ عادة في الليل، ولابد من السهر، أقضي جل وقتي في القراءة، بإمكانك القول إنني مدمن قراءة وكتب!! إلا أن دراسة الطب لا تسمح بالكثير، فهي دراسة صعبة وتتطلب متابعة وجد واجتهاد، وأرى أنها تستحق، لكني بعد عناء توصلت إلى حل الشيفرة التي من خلالها يمكنني التوفيق بين الاثنين، وهذا ما أعمل عليه ووفقه حالياً.
أقرأ أكثر من كتاب في ذات الوقت، وعلى أنغام الموسيقى أكون أكثر تركيزًا ووعيًا، وربما تستغرب إذا قلت لك أستمع إلى الأغاني واقرأ في أحيان كثيرة!! استمع لكاظم الساهر، إلى الموسيقى الكلاسيكية، إلى موسيقى الشعوب البدائية أيضاً.
س 8/ الدكتور مالك ليس قارئاً فقط بل هو كاتبٌ شجاعٌ وشاعرٌ بارع، حدثني أكثر عن هذه الموهبة الشعرية وكيف دخلتَ عالمَ الكتابة حتى بدأتَ التأليفَ والنّشرَ لروايتِكَ الأولى؟
بالحقيقة لدي ديوان شعري كتبته منذ سنوات عدة، لكني لا أفكر بنشره، أعتقد أن وقته لم يحن بعد، لدي مشروعات يجب متابعتها أولًا. أما بالنسبة لفن الرواية فأني أجد نفسي فيه ومعه أكثر، أحبه وأشعر أنني أنتمي إليه. صدرت لي رواية "الثُّقْبُ الرُّوحيّ" في بغداد، وأظن أنها بداية جيدة لمخطط من سرديات متتالية أعمل عليها بجد وفق مخطط زماني مرسوم بدقة.
س9 / بين ميسان والموصل وديالى ثم فرنسا ولبنان وصولاً الى أستراليا؛ دارتْ أحداثُ روايتِك الجريئة "الثُّقْبُ الرُّوحيّ" ، حدثني أكثر عن تجربتِك الفريدة من نوعِها في السّردِ لهذا العمل المتجدد؟ وكم من الوقتِ والجهد بذلتَ لإنتاجِ هكذا عمل؟
الثقب الروحي هي محصلة لجهود وقراءات ومعرفتي التي اكتسبتها خلال سنوات، وضعت ثمرتها النهائية في أولى تجاربي السردية، ومن خلال عمل "لتسعة أشهر" أصبحت على شكلها الحالي، وهي اللبنة الأولى في مخطط السرد لدي، والذي أتمنى اتمامه كما مرسوم له. كانت أيضًا وسيلة دفاع عن مدينة الموصل العراقية التي اغتصبتها عصابات الدين المنحرف، فأول الأسطر كُتبت عنها، وبمساعدة كثير من الصديقات والأصدقاء الموصليين قمنا بخطوة دفاعية من أجل الصوت الذي كان مغيبًا.
لا أريد الحديث عن البناء السردي أو المنحى الجمالي ضمن النص، أعتقد هذا من شأن النقاد، وربما لنا مناسبات أخرى لمناقشة أسرار الرواية.
س10 / لماذا اخترت (الثقب الروحي) إسما غريبا لروايتِكَ ؟
الثقب الروحي كما جاء في مقدمة الرواية: (الثُّقْبُ الرُّوحي: نافذة الخلاص، مسكن الروح الأزلي، كوة في الجدار الذي يفصل العوالم، طريق يخترق الحدود ويوصل المنقطعات، لا تحكمه شروط الزمكان، وتتوحد عنده جميع المظاهر المتكاثرة. هو السبيل الذي يحمل صيرورة الكون المتغيرة، لكنه ساكن، ثابت، ومن هنا تأتي عظمته؛ فهو البساط الخفي الذي يحملنا إلى الطاقة الكونية الخيّرة، إلى الحقيقةِ المطلقة. هو الامتداد بلا نهاية، هو البداية، هو النهاية والعودة، الذي يكسر ثنائية الكون، لكنه دائم البياض، يحيا بالنقاءِ والبهاءِ الحي الصافي).
وهذا المعنى طبعًا يحتاج إلى توضيح أكثر لا مجال لشرحه هنا، لكن أترك إكتشافه للقراء والنقاد .
على أمل أن يكتشفون ذلك بأنفسهم.
س11/ أسئلة وأجوبة سريعة
● لو لم يكن الدكتور مالك طبيباً ماذا يفضل أن يكون؟
خيارات عدة: لربما: الفلسفة وعلم الاجتماع، الموسيقى، ولربما الفيزياء!!
● ماذا يعني لك النجاح؟ وبماذا تصفُ الفشل؟
النجاح أن أحقق الخطوة التي تضيف شيئًا جديدًا إلى الكون... الفشل ألّا أحقق ذلك.
● هل أنت مؤمنُ بالتغييرِ من خلالِ القلم؟ وكم سنحتاجُ من الوقتَ والجهدَ لكي يحدثَ التغييرُ في مجتمعِنا العراقي؟
نعم، أنا مؤمن بوظيفة الكتابة، مؤمن وكلي ثقة أننا ممكن أن نصنع التغيير من خلال عدة أوجه ، ومن ضمنها الكتابة والقلم. أعتقد أن التغيير الحقيقي في أي مجتمع يكمن في التحول العميق في ذهنية الأفراد، تغيير مفاهيمهم بوعي يضرب أساس المقدس الذي يجثم على صدورهم، وهذا يحتاج إلى تضحيات معنوية ومادية كبيرة ، إلى نُخب تُضحي من أجل التنوير وبناء الحضارة من خلال العلم وليس بغيره، يجب أن يتحول الدين إلى حالته الفردية بين الإنسان ورمز معتقده "الله"، وأن نهتم بالتعليم الصحيح وما وصل إليه العالم المتقدم والحضارة البشرية.
أما آن لنا أن نفكر بالنهضة الحقيقة؟!!
● هل تشعرُ بالمللِ وأنت تكتبُ عن المأساةِ والحروب الدموية في العراق؟ وكيف حققتَ التوازنَ بين الخيرِ والشرِ داخل روايتك الأخيرة؟
على العكس تمامًا، أشعر أن الكتابة هي العلاج الناجع لكل هذا الضجيج والخراب الذي يحيطنا، ما يمر به بلدنا محزن ومأساوي، يدفع كل منا إلى أن يرفع صوته، ولابد لنا أن نقول موقفنا بشجاعةٍ على الأقل.
لستُ بحاجةٍ إلى تقرير توازن الخير والشر أو قياس رجحان كفة أي منهما؛ أنا أكتب عن الحياة بكل ما تحمل من بهارج ومخارز وزهور وأشواك ونبيذ ودم..
● صفْ لي شعورَك وانت تكتبُ؟ ثم صفْ لي شعورَك وانت تقرأُ ما كتبتُه مجدداً؟
أشعر بالمتعة الحقيقية أثناء الكتابة، أشعر بالحياة تدب بين أناملي وتصعد إلى دماغي وخلاياي؛ لأني أتخلص من أثقال وهموم أجمعها من خلال وجوه الناس وأصواتهم وهم يسيرون في يومياتهم ...
لا أحبّ مراجعة وقراءة ما أكتب، لكن لابد من تنقيح النص وقراءته مجددًا ولأكثر من مرة..
● من يسكنُ قلب الدكتور مالك؟ وبماذا تصفُ المرأة؟ وهل أنت مؤمنٌ بدورِ المرأةِ في مجتمعِنا اليوم؟
أنا كائن مسكون بالحبّ، قلبي مليء بالحبّ، وكم تراني أجاهد من أجلِ طرد أيّة نقطة كراهية أو حقد قد تباغتني وتتسلل إلى مشاعري في لحظةِ غضبٍ أو ردةِ فعلٍ هوجاء.
المرأة كائن جميل مثل وردة أو لحن موسيقي عذب. أنا شخصيًا مدين إلى المرأة كثيرًا... لكن لابد من المطالبة والعمل على تحقيق المساواة، لأننا مازلنا بحاجةٍ إلى أشواطٍ طويلةٍ علينا قطعها في هذا المضمار.
● بماذا تنصحُ الشباب؟ وما هي السلبيةُ الكبرى برأيك في شباب اليوم؟
أنصحهم بالقراءة الواعية.
لا أحبذ تعديد السلبيات كما يفعل الناقمون ومريدو الماضي التليد، لكننا بحاجة إلى رجة توعوية تشمل الجميع، تحيي فينا نهضة نعم، لا تستغرب يا صديقي، نحن بحاجة إلى صحوة، فالعالم يسير ونحن مُتَلفّعون بنومةِ الفجر والظهيرة بينما الذباب يتجمع على رؤوسنا وعلى أكوام مخلفاتنا البيولوجية التي تشير إلى أننا نعيش بلا حياة! ...
● ماهو رأي الدكتور مالك في الأحداثِ السياسية التي واجهها الشعب العراقي مؤخراً؟ وهل تعتقدُ بأن الإنسانيةَ انصفتنا كشعبٍ عُصفَ به الإرهابُ العالمي وحيداً؟
أنا في حالةِ يأس من هذه المجموعة من مشتغلي السياسة الذين يسيطرون على مقدرات بلدنا. هؤلاء سراق ولصوص ولا مجال لإصلاحهم، يجب ابعادهم ومحاسبتهم على كل ما فعلوه من جرائم وشروع بجرائم، الجميع دون استثناء يجب محاسبتهم، من رجال دين دسوا أنوفهم بالمناصب والامتيازات والأموال إلى لصوص السياسة القذرين. المجمع البشري (أو ما يسمى الدولي) كل دولة فيه تبحث عن مصالحها وتوسيع نفوذها، لذلك هم جزء من اشعال نار الحروب في أرضنا، ولا يكفي أن نلومهم، بل الواجب أن نمنعهم من ذلك...
* كلمة أخيرة تحبُّ أن توجهها في ختام ِهذا الحوار المميز ؟
بداية اشكر جنابك المحترم على هذا الحوار الجميل واتمنى لك التوفيق والنجاح في مجال عملك . رسالتي إلى الذين يتصورن أنفسهم أربابًا في الأرض: "دعوا الناس تحلم وترى أحلامها أمامها، دعوهم يتنفسون الأوكسجين ولا شأن لكم بمقدراتهم الأوكسجينية، ما أنتم إلاّ نكرات ضمن القطيع البشري الواسع، فلا ما تريدون هو الحقيقة ولا صفاتكم البشرية الضعيفة تسمح لكم بذلك، لستم أولياء على أحد ولا أحد عبد لكم... كفى استغلالًا وطمعًا ونشرًا لفجيعةِ الجهل والتجهيل".

الأحد، 20 مايو 2018

رواية (الثقب الروحي) للكاتب (مالك مجباس)


من وراءِ عمقِ الماءِ يأتي صوتُ هيد واضحًا: «البَحْرُ يشبه العدم العظيم، هو وحده الذي ينجينا، هو وحده الذي يغسل قذاراتنا، هو وحده الذي ينقذنا كمثلِ النارِ التي تطهرنا يا منقذ». تلته أصواتٌ كثيرةٌ تنشد "تعويذة الخلاص" ومعها أنشد المجنون وزينب "ترنيمة المياه":
[يا أيها النهر... يا أيها النهر
يا خالق الأشياءِ كُلّها!
في أعماقِك سيبني المنقذ مسكنه،
المنقذ قادم إليك،
فأنت تقضي بقضيةِ البشر،
أنت أيها النهر العظيم، مياهك تجلب الخلاص، فتلقّه برأفة،
وخذ ما بجسده إلى ضفتيك، واجعله يهبط إلى أعماقك].
هكذا ستبدأ حياةٌ جديدة، من المياه، من جذوةِ التراب والرماد، من بقايا الجسد المحترق وكلماته المطفأة، ومن الأملِ الكامن، ستنشأ حياةٌ في عالمٍ آخر، حياة بإمكاننا تخيلها أو تنفسها كما نريد وكما نشاء بعيدًا عن "المعتقل الشامل" ها هنا.

***
الرواية تشتمل على ثلاثة عوالم تدور على مدى (41) فصلاً، و (448) صفحة، يمكن اعتبارها عوالم ما قبل الحياة -الحياة-وما بعدها، لكنها تعاش بصورة متوازية في ذات الزمن.
تثير أسئلة جادة حول إشكاليات جدلية؛ عن الإنسان، الوطن، الهوية، الدين، المقدس، الجنس، السياسة، والعلاقات التي تنصهر بينها، تحاول نفخ الغبار عن خبايا يراد لها أن تبقى مخفية أو مستورة من أجل كسب المصالح أو للعيش بوضع تعود عليه البشري حتى أدمنه وصار جزء لا يتجزأ من ذاكرته المستحمرة بالتابوهات والطواطم المقدسة!

الخميس، 15 يونيو 2017


انا جلجامش يصحبني قلبي المتأنسن
نبحرُ لغاباتِ الأرز اللبنانية 
لقتلِ الوحش خمبابا 
ولقاءِ العذراء الجميلة ...
في رحلةِ طريق الانسان وطريق العودة

من اجل ان يكون الدربُ طويلاً 
من اجلِ عيونِ المدينة 
كي لا تفقأ برخصٍ 
من أجل الحوريات 
الناعسات 
في حافةِ الدرب 
من اجل مجنونة شايو 

سفري في الليلة البارحة 
رحلتي قبل الخليقةِ 
لابد ان تكون ليستْ قصيرة 
ان يستمر السفر 
مادام عمري أخضراً 
مادمتُ أحيا بالمغامراتِ والتجارب 
ما زلتُ ارحلُ الى هنا 
هنا ...
بالقربِ كانتْ صخورٌ 
فهنا مرقدي .. هنا مرقدي الجليل 
هنا تبكي حروفي على بعضها 
وتشتاقُ شفاهي لشفاهكِ
سيدتي 
هنا أنادي الألم 
يا أيها الألم ... يا أيها الألم 
تباً لحضرتِكِ السادية 
شلتْ يداكَ من مُحفّزٍ خائن 
أقولُها بِإستثناءٍ 
إلاّ اوجاعي فيكِ 
فهي معنى لحريتي .. 
فلا عشقُ من دونِ لذة الألم
معكِ
وهكذا جوعي إليكِ 
ارغبُ ان تنثري شعرَكِ حولي 
ان تمزقيني .. تقسميني 
ترميني 
الى العالمينَ قرباناً 
ولو لوهلةٍ اخيرة 
فانا صاعدٌ نحو روحي 
تاركٌ حربَ العصابات التي لم تنته بعد 
لا زالتْ تذكرني بالحرب الأهلية 
- مَنْ يا ترى انتصرَ ؟! 
- لم أعد أتذكر ذلك 
لكن 
بهذا العدد الهائل من القتلى والمذبوحين 
في بلادِ الأغنام الخائبة 
لا أشكُ ان الأغنام لا تنتصر 

آهٌ يا قلقي .. آه 
لما تبحثُ 
فهي ذهبتْ في سماءِ الممر القصير 
فإصحُ 
يا أيهذا العاشق الجميل 
ايُّ موقفٍ يعلل لها الان 
ايُّ ماءٍ يطهرُ خطيئتها 
ايُّ معرفةٍ تدفعُ لحد الحكمِ الأخير 
وها هي الوردةُ تذبلُ 
وخطيئة الشيطان كانتْ افضل 
فلا تنوحي 
لا تبللي مناديل عيونكِ 
لا تنوحي يا أشجار الغابات 
لا تحزني لدربي المحفوف 
انا في محنةِ التقادم 
مذ وطأتْ قدمايّ أرضاً 
مذ كنتُ قتيلاً بين الضباب 
اتخذتُ قرارَ موتي الجليل 
فلم أعد انا منْ يستفيق للمرةِ الثانية 
وهيهات من درب الرحيل
كَمَنْ يعقدُ لسانهُ عن قولها 
يا مستفيق .. يا مستفيق 
مزقْ .. اليكَ حرائري 
لا تندثرْ 
قُلْ ايّ شيءٍ 
عن محنةِ البقاء 
عن متلازمةِ الرحيل 
شيءٌ عن لا شيء 
الا طريق البكاء 
لا تتفلسفْ بكوتِهِ 
فانا اعبرُ نهراً من هواء 
أرسمُ لوحاتي بالطرقاتِ المهجورة 
ألونُ مدمنيّ الكوكائين 
اصبغُ وجوههم 
بدخانِ بقايا البرشام
لا اجابة لأيّ سؤال 
بحرٌ يتلاطم بداخلي 
ولا عصا تفرقُ شفتيه 
تحتضنُ أجزائهُ بعضها البعض 
- أعطني قبلاتكَ سريعاً 
الموجةُ قالتْ للموج 
وبهذا لابد ان اكونَ غريقاً 
وقلبي يكوى بنارِ الخديعة 
وروحي تلتهمها اجنحة الليل السوداء 
لم يعد لديّ معبدٌ مقدس 
اخضوضرتْ بحيرة الذاكرة 
تعكرتْ شرايينها بالأنقاض المذبوحة 
لا سقا لماءٍ عذب 
ومرارة الخراب كلهفةِ الانسلاخ 
كنسرٍ من الثلج يُعدَّم قبيلَ العاصفة 
آهٌ .. يا روحاً .. آهٌ يا روحي 
كيفَ لي ان اجدَ العزاء لقلبي 
وانا عكسُ كُلّ الأجراس 
لا اصمتُ 
انا ديكٌ لا يصمت 
ينادي في جوف الليل المطبق 
انا آلهٌ لا يصمت 
ينادي في جوف الليل الأخرس 
يرفعُ عقيرتهُ 
يصرخُ .. يصرخُ 
حيثُ زمن ..الصراخُ ممنوع
حيثُ زمن .. الآنينُ جريمة 
لكنه يصرخُ ... يصرخ ... 
يحطمُ تشاكه الانفعال 
كلوحةِ الوانٍ مغروسة 
كشبقٍ لا يكتمل 
يتذوقُ طعمَ الهزيمة 
يمررُ عيونه فوق عيونه 
ويمسكُ الساعاتِ من أطرافها 
فعقارب الساعة لا تلدغُ 
آلهُ ساعتها 
انا.. 
آلهٌ يفترسُ الأيام 
ابتسمُ او اضحكُ 
اتقهقرُ كالقمرِ 
لكني أقوى من ايّ حال 
انا الانسانُ .. وأبقى هكذا انساناً 
تتكالبُ سنواتُ التيهِ
كخواطرِ الموتى عند المغسلِ الأخير 
لم يكن هنالك من شيءٍ 
اكثر من الفوضى 
وخلفها خطرٌ ومحاذير 
عندما اجددُ عزيمةَ الخليقةِ 
الكاوس تلدُ الارضَ كجايا وأمٍ 
والبحرُ الوديعُ ككبشٍ يُزَّفُ من السماء 
السماء .. البحرُ .. إيروس 
لم تعطهم الارضُ اكثر من بطاقةِ المرور 
وأحلامي مازالتْ مُنتزعَة 
والايامُ ترفةٌ كعمامةِ المصلى 
والنجمةُ الباردةُ تغسل شاطئ الشرف المغسول 
يا لموقفها الحزين ؟ 
عندما تجامعتْ الارضُ مع السماء 
عندما أنساب أورانوس في كُلّ خبايا جايا 
عانقَ النسيان الدمَ الطري 
وأفكاري تساقطتْ 
فراشاتٌ ترتوي بالصداع 

يا لموقفها المسكين ؟ 
عندما تلدُ جايا ذلك الصغير كرونوس 
لم يبقَ غير الفقراء في باحةِ السورِ المكسورة 
كم هو كئيبٌ ذلكَ الموقف ؟ 
ريا احتضنتْ أخاها الصغير كرونوس 
لتأخذ من مصلِهِ الذكري ديمومةِ رحمها الزهري 
ريا تجامعتْ معه 
ولونتْ عيونها بالوانِ الشجيرات 
لتلد كبيرَ الآلهة .. زيوس الخطير 
في الغابةِ المحترقة 
ثم تمزقُ شرائط الاحتفال 
وتودعُ المواقف 
وتبحرُ نحو الشمال 
متسكعةً 
لا تفهم إلاّ قليلاً 
وفي الليلةِ البيضاءِ 
تبحثُ 
تخلقُ نفسها .. تصومُ 
كما أنا تماماً 
هل هو قدرُ الأيام ؟ 
ان أصومَ بلا سماء 
ان ابحثَ عن " شغلٍ " 
عن نومٍ .. عن مشربٍ ليلكي 
عن صباحٍ لِاستيقظ فيه 
عن أدغالٍ منبسطةٍ 
عن حوريةٍ شقراء امضي باتجاهها 
واغطسُ في لجةِ الأغصانِ المبتلة 
واطلقُ هزيمةَ الموتِ الاخيرة 
واخلقُ من نفسي انساناً 
في غابةِ الخريف الخاوية 
واحرقُ الأوراق الصيفية 
كهامشِ عنوانٍ ندي 
وأطفئ صرختي كسيجارةٍ مخنوقة 

ذات يوم .. 
سيكونُ قلبي بلا شكٍ 
لا يكوى بنارِ الخديعة 
وكلّ شيءٍ يمرُ بعيداً عني 
السكوتُ .. الاستماعُ لشيءٍ .. المرور 
لا شيء ... لا شيء 
فقط أنا مَنْ يرمي الحجارة 
ويحركُ البركةَ الساكنة 
فتباً للأوغادِ وبواعث الحظوظ المكتوبة 
لا جدوى من الفصل المرمي 
والأسفلت المخربش كذاكرة اليوم 
لا شيء .. لا شيء 
إلاّ انا 
آلهٌ يهذي 
فلا تسمع هذيان الآلهة الثقال 
إلاّ هذياني الرتيب 
ولا تسمح لحروفِ القصصِ 
ان تنفذَ 
إلاّ قصة سفري للخلود
فهنا الحياة تتشبث بمعصمي 
النجوم تموتُ هنا 
وهنا تبكي حروفي 
والأفراح العابرة تلتهما الحكمة الجارحة 
في بادئ الحكمة أقيمُ أعيادَ الميلادِ لروحي 
وأدعو لها بالنزواتِ الصغيرة 
فثمة ارواحٌ في روحي 
لكنها لا تشبهُ روحي 
ثمة أفعال تخدشُ حياء الورق الأبيض 
أفعالٌ متعديةٌ ولازمةٌ 
افعالٌ بلا فاعل 
أفعال بلا مفاعيل 
تُسمع كرقيعِ الصوت 
ثمة كؤوس بلا حانات 
تُشرب بنزوةٍ عادية 
يُرتوى منها برخصٍ باهض 
لكن الخمرةَ الاخيرة لا تُختبر 
ولا تعبَقُ الا في فمي 
ولا تصلُ النساء لِشَبَقٍ
إلاّ من خلالِ خنجري الصغير 

كنتُ ثملاً جداً 
ثملاً حد العُتمةِ .. حد الثمالةِ 
لم أكن متوقع مجيء أنكيدو
او انه سيتحدى مبارزتي 
كنتُ ثملاً جداً 
رغم ثمالتي 
اقعيتهُ أرضاً 
رميتُ بسيفهِ 
وقلبي لا زال يعشق 
لا زال يهوى النساء الشقراوات 
كآلهٍ طائش 

- إرفعْ رايةَ الاستسلامِ البيضاء يا أنكيدو
- لن افعلها وانتَ تعرفُ ذلك 
لن يفعلها أنكيدو .. 
انه فارس .. والاورك تشهد 
فهو قلبي لن يسجد 
فهو قلبي لن يخضع 
ما زال يعشقُها 
كلهفةِ شوقي لِعينيها الناعستين 
كإصراري لرؤيتها 
في طريقي اليها 
كنتُ ارسمها دائماً 
خلفَ جبلِ لبنان .. بين غاباتِ الأرز 
خلفَ أسوارِ خمبابا الغليظة 
في كوخٍ خشبي 
تعيشُ جوهرةُ الحياةِ 
ياقوتةٌ حمراء .. 
صوفيةٌ روحية ... 
جسدُها مليئ بالانوثةِ الفياضة 
غنجُها اللبنانيّ يشبهُ ثمالتي 
ينطفئ الدخانُ حولها 
يلتقفُ الكونُ بين ثدييها الناعمين 
خصرُها كشمسٍ لكواكبِ أنفاسي 
وقلبي يعشقها 
في هذا الحال
لم يكن سهلا ان نفكرَ .. 
نخططَ .. نراجعَ ... 
لكن 
قررنا انا وقلبي 
ان نبحرَ بقدمينا الحافيتين 
ان نقتلَ خمبابا 
ونأتي بمليكةَ قلبي 
لترتقي عرشَها الأزلي .. 


الأربعاء، 14 يونيو 2017



   في مرات يجد نفسه مفكراً بوصفه إنساناً، يحمل هماً إنسانياً، يتوجب عليه أن يفني حياته وليس تفكيره فقط في سبيل الهدف العظيم لرقي البشرية وتطورها، يغازل الأدبيات التي نشأ وتربى عليها، فلسفة الأخلاق، الشرانق الدينية ومواعظها المعنوية، الزهد والتصوف، البحث عن العالم الآخر، والعيش لأجل العالم الآخر.

السبت، 7 مايو 2016

- ستصلُ الى هناك .. لا تستعجل الامرَ .. ستصل .. ، لكن عليك ان تواصل .. أستمرْ .. فليس هنالك عود أبدي .. هي حياتك افعل ما شئت ..
أكتب ما علمتُك إياه .. واصلْ رقصَك ..
أيها العمر ... لكم بامكانكَ ان تحيا حيواتِكَ .. ان تداري ثوباً على شكٍ عقيم .؟!..
بروتاغوراس يا صديقي ان الايام لا تكفي ، فالموضوع غامض والبحثُ تكتنفه المصاعب ..
امونادولوجيا حين روحي تصطحب بياضها  .. او حين هي تأتي ..
- انتِ أخيراً تأتين .. عيناكِ سوداوان ..

ليس الامرُ بهذا العبث والتخبط .. فاللانظام هو ما يخرج عن دائرة قيودك .. والحرية شيء من اللانظام .. شيء من طريق النهاية .. بداية الهاوية !!.  فوصولك الى نقطة الانطلاق يعني كسر لحجر متنفذ .. وحملك لجمرة النور يعني إلغاء لرمز مقدس غبي ..
اي باختصار ، انها المواجهة مع الآلهة العظام !....
الشيطان متمرد ، لانه خرج عن سلطة الله ( اصبح يملك وعي ذاتي وبامكانه الاختيار )..
بروميثوس لابد ان يهلك ويُعزل ، لانه خطر دائم .. لابد من إنهائهِ ابدياً .. لابد من إطفاء النور .. والاختباء وراء صندوق ميدوزا ، لانتظار الفرصة المؤاتية ، والتبول فوق جمرة الوعي ، وصنع عجينة من رمادها ، لتكون لبنة طين جيدة ، نلقهمها بفم المتمردين ..!!..
جميعم ( جميع الآلهة ) اجتمعوا في تلك الليلة السوداء المدلهمة .. ليلة ما قبل الصفر بمدينتين من سنة الخروج الذي لا عودة بعده .. قرروا المؤامرة ( الشعب ايضاً يتآمر على كرسي الرب ، الشعب ايضاً تغتصبه عمامة الرب المخصية .. فهل بإمكان الشعب ان يولج عضوه الصغير بمؤخرة السلطة ، التي نكحته طويلاً ؟!..)..  
همسوا بالعذاب الدائم ، الأسر ، السجن ، الوحدة ، القيود ( الاضطراب الوجودي ).. سنجعلهم مسوّخ ....
كتبوا في لائحةِ عقوقِ الانسان :
- شعبٌ يحبُ المؤامرة " مو بيده " .. فتوجب إتخاذ الآتي :
كل الطرقات مسدودة بوجوهكم .. أنكم عبيدٌ .. عبيد لذواتكم .. عاجزون ( ليس هنالك انسان مطلق ).. أنكم حقراء ساقطون .. سنركلكم على مؤخراتكم بعد الاستمناء عليكم ، بينما نغرق بأحلامنا الجنسية مع حوريات الجنة الموعودة ... نعبي كؤوس الخمر السماوية ( انهار الخمر ) ثم نتبول عليكم ، ستظنونه مطراً مدراراً ، فتشكرون وتحمدون وتهللون  ... سنتبرز على جباهكم ، سئمنا سجودكم الطويل تحت اقدامنا الملوثة بدمائكم النتنة (  ولا حاجة للحديث عن البراز المقدس مرة اخرى ، فالبراز قيمة ثابتة وأصيلة في وجودالبشري .. انه ( البراز ) كائن معنوي اكثر منه مادي .. والأكثر من ذلك انه لا يُذْكَر لعظمته وجلال وجوده الرمزي .. )..
فاشكرونا أيها البهائم الأشقياء .. تذكروا فضلنا عليكم .. لا تنسوا اننا اجنحتكم الوارفة التي تختبئون تحتها .. قدسوا سرنا الجليل .. خذوا قطعة قماش من قميص الفقيد المغدور ظلماً ، شدوها على مؤخراتكم ، وهزوا تلال شحمكم العفن في أحضاننا .....
............................... ، فواصلوا رقصَكم يا اغنام الرَّبّ .. أرقصوا ..

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

 عن الرمز والمقدس :
....................
-غالباً ما كنتُ أعللُ حالة الركود في بحيرة الموقف ، لتداعي الشك واحتضاره وموته الوشيك وربما اخيراً توديعه ودفنه ، لانتفاء ضرورة وجودة !!.. بمعنى اخر انتفاء شرط الإمكانية والواقعة وضرورتهما .. ففي أزمتنا ، المتأتية من جذور ، اتفق الجميع على إلاّ يفرطوا في سجودهم الطويل امام قامةِ رموزها ، الذين رُسموا باطلالات هوليودية - سماوية مهيبة .. ليس بإمكانك ( اذا قررت الوصول الى الكوجيتو ) إلا ان تكوى بنار التابوات والطواطم ، ونار ازمتِك الذاتية ..
فكلمات هؤلاء المتسلطين ، تعيش في العقول والكتب لألاف السنوات ، وتعاد بشكل مكرور ، وتتوالد دون انقطاع ، مشفوعة ببحار لا تنفد من الارصدة والادلة الجاهزة ، المطلية جيداً بجدل اجتماعي يتوالد دورياً بالشاكلة والصورة عينها ( اي القبول المسبق لكل ما سيصدر او انه صدر ).. والنتيجة التسلط والتبعية والقهر والظلم والحجب والمصادرة ، بوصف الناس قاصرين وجاهلين ، لا يقدرون على إدارة حياتهم ، يحتاجون الى ذلك الرباني الذي يزرع الوعي في العقول وينفث النيران في الظلمات العفنة ، ويحيي رسالة الكون السامية !!..
فهنالك رموز مقدسة مازالتْ تمثل بالنسبة الى الأغلبية وليس الكثير فقط ، الوعي والضمير والعقل والاستنارة والمعنى والقيمة .. نعم انهم أوصياء ( أوصياء الرب أو أوصياء الطوطم العظيم ) ، يمارسون هيمنتهم ، بوصفهم الأنبياء والرسل أو الأبطال المنقذين .. انهم النخبة المقدسة والصفوة المختارة .. انهم أبناء الله بعمائمهم وسيماهم وجمالهم الرباني !!..
الرمز المقدس لازال يشكل العائق الأساس في وجه الحرية .. واقولها بصراحة : لا حرية وتنوير فكري ولا جدارة شخصية واستقلالية ، مادام المقدس يبعث كل يوم اكثر حدة واحمرار من سابقه ، بشكل عنيف وقاتل للأفكار والانسان .. لأنه فوق البشري والممارسات الدنيوية - الطفولية البشرية .. انه يعتلي الى الالوهية والتجريد والإبحار فوق القيم والمعاني والمقولات .. وبالتالي اصبحت الأفكار المقدسة ، ذات بعد ما ورائي - غيبي - متعالٍ .. قوالب يحيطها سُوَر سليمان ليحرسها .. مثالية تامة ونماذج كاملة ..
في جانب اخر ، هنالك اصحاب الدين الجديد - المؤدلجون - ( الذين يمارسون التقديس باسم الانسان وأصالته والإنسانية ) ، وهؤلاء ايضاً ، لهم طواطمهم ومقدساتهم ، وهم لا يختلفون عن مجمع الحمير الديني ( الذي يمارسون التقديس باسم الله والسماء والخير ومحاربة الشيطان ).. كلاهما سيقتلك وينهي حياتك بتشفٍ اذا حاولت الوصول الى الكوجيتو ...
- في مقابل ذلك ، ماذا نفعل نحن " المگاريد " الذين لا ننتمي ولا نتبع ؟..
- ننتحر ، لنترك الحياة ونرتاح ...
- ................ " ماذا أقولُ لطفلةٍ تلعب ؟!.. "
- الحل : الثورة على عقلية الوصاية .. الامر ليس صعباً ابدأ بنفسك .. تحرر .. شك .. أقرأ .. لا تتبع طوطم خرب .. لا تدع احدهم مهما كان مقدساً ان يكون الله عليك .. لا تعبد الأفكار والمثالات .. أخلق ذاتك .. أنتَ المسؤول عن نفسك وما يُحيطك
. .. .
( يتبع ... ) ..
Malek